بَيْنَ الدِّينِ والتَّطرُّفِ: عِنْدَما يُختَطَفُ النَّصُّ وتُغْتالُ القِيَمُ الإنْسانِيَّةُ

الباحث: الفقير لله تعالى، د. رافع خيري حلبي - دالية الكرمل - إسرائيل

تاريخ النشر: 20/07/26 | 8:54

الدِّينُ مشروعُ إعمارٍ لا مشروعُ صِراعٍ.
إنَّ مِنَ الأخطاءِ المنهجيَّةِ الَّتي وقعتْ فيها بعضُ القراءاتِ البشريَّةِ للنُّصوصِ الدِّينيَّةِ أنَّها اختزلتِ الرِّسالةَ الإلهيَّةَ في دائرةِ الصِّراعِ والمواجهةِ، وغابَ عنها المقصدُ الكُلِّيُّ الَّذي جاءتْ مِن أجلِهِ الرِّسالاتُ السَّماويَّةُ، والمتمثِّلُ في إعمارِ الأرضِ وبناءِ الإنسانِ، فالقرآنُ الكريمُ لا يُقدِّمُ الإنسانَ بوصفِهِ طرفًا في معركةٍ دائمةٍ معَ العالمِ، وإنَّما يُقدِّمُهُ بوصفِهِ مخلوقًا مُكرَّمًا، مُكلَّفًا بالاستخلافِ في الأرضِ، ومسؤولًا عن إصلاحِها، وتنميةِ مواردِها، وإقامةِ العدلِ بينَ أهلِها، وتحقيقِ الخيرِ لجميعِ النَّاسِ، دونَ تمييزٍ أو إقصاءٍ.

يُؤسِّسُ القرآنُ الكريمُ لهذا المقصدِ في قولِهِ تعالى:

﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ [هود: 61].

منَ النَّاحيةِ اللُّغويَّةِ، فإنَّ لفظَ ﴿اسْتَعْمَرَكُمْ﴾ لا يدلُّ على مجرَّدِ الإقامةِ في الأرضِ، وإنَّما يحملُ معنى الطَّلبِ والتَّكليفِ بالإعمارِ؛ أيْ إنَّ اللهَ تعالى كلَّفَ الإنسانَ بتعميرِ الأرضِ، وتنميتِها، واستثمارِ خيراتِها، وإقامةِ الحياةِ فيها على أساسِ العدلِ والخيرِ، ويُحوِّلُ هذا المعنى الوجودَ الإنسانيَّ مِن وجودٍ استهلاكيٍّ إلى وجودٍ رساليٍّ وحضاريٍّ، تكونُ فيهِ المعرفةُ، والعملُ، والأخلاقُ، وسائلَ لتحقيقِ مقاصدِ الاستخلافِ.

ويُعزِّزُ القرآنُ الكريمُ هذا المعنى في قولِهِ تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15].

فالآيةُ الكريمةُ تُبيِّنُ أنَّ تسخيرَ الأرضِ للإنسانِ ليسَ دعوةً إلى الاستهلاكِ أو الاستغلالِ الجائرِ، وإنَّما هو تكليفٌ بالسَّعيِ، والعملِ، والإنتاجِ، واستثمارِ النِّعَمِ في إطارِ المسؤوليةِ الأخلاقيَّةِ، وبما يُحقِّقُ الخيرَ العامَّ، ويصونُ التّوازنَ بينَ الإنسانِ والكونِ، ومن هنا، فإنَّ مفهومَ الإعمارِ في القرآنِ الكريمِ لا يقتصرُ على البناءِ المادِّيِّ، وإنَّما يشملُ بناءَ الإنسانِ علميًّا، وأخلاقيًّا، وروحيًّا، وثَقافِيًّا، وبناءَ المجتمعِ على أساسِ العدالةِ والتَّكافلِ، وبناءَ الدَّولةِ على أساسِ سيادةِ القانونِ، وصيانةِ الحقوقِ، واحترامِ الكرامةِ الإنسانيَّةِ، فالحضارةُ في المنظورِ القرآنيِّ ليستْ تراكمًا للعمرانِ المادِّيِّ وحدَهُ، وإنَّما هيَ ثمرةُ توازنٍ بينَ تقدُّمِ المادَّةِ ورُقيِّ القِيَمِ، بحيثُ يُصبحُ الإنسانُ محورَ العمليَّةِ الحضاريَّةِ وغايتَها في آنٍ واحدٍ، ولذلكَ، فإنَّ الفسادَ يُمثِّلُ النَّقيضَ المباشرَ للإعمارِ، وقد حذَّرَ القرآنُ الكريمُ مِن هذا الانحرافِ، فقالَ تعالى:

﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: 56].

كما جعلَ القرآنُ العدلَ قاعدةً كُلِّيَّةً يقومُ عليها البناءُ الحضاريُّ، فقالَ سبحانهُ وتعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].

العدلُ، في المنظورِ القرآنيِّ، ليسَ قيمةً أخلاقيَّةً مجرَّدةً، وإنَّما هو الأساسُ الَّذي تقومُ عليهِ حياةُ الأفرادِ، واستقرارُ المجتمعاتِ، وشرعيَّةُ الدُّولِ، ولذلكَ لا يتحقَّقُ إعمارُ الأرضِ إلَّا في بيئةٍ يسودُها العدلُ، وتُصانُ فيها الحقوقُ، وتُحفَظُ فيها كرامةُ الإنسانِ.
وتُعبِّرُ هذهِ الآياتُ عن قاعدةٍ قرآنيَّةٍ كُبرى، وهيَ أنَّ الأصلَ في العلاقةِ بينَ الإنسانِ والأرضِ هو الإصلاحُ، أمَّا الفسادُ فهو حالةٌ طارئةٌ تُناقضُ مقصدَ الرِّسالةِ الإلهيَّةِ، ومن ثَمَّ، فإنَّ كلَّ ممارسةٍ تُفضي إلى هدمِ المجتمعاتِ، أو إشاعةِ الفوضى، أو الاعتداءِ على الأرواحِ، أو تمزيقِ النَّسيجِ الإنسانيِّ، لا يمكنُ أن تُوصَفَ بأنَّها امتدادٌ للمشروعِ القرآنيِّ في إعمارِ الأرضِ، وإنَّما هيَ خروجٌ على مقاصدِهِ الكُلِّيَّةِ.

منَ الضَّروريِّ، في هذا السِّياقِ، التَّمييزُ بينَ النَّصِّ القرآنيِّ بوصفِهِ وحيًا إلهيًّا معصومًا، وبينَ بعضِ القراءاتِ البشريَّةِ الَّتي تعاملتْ معَ آياتٍ مخصوصةٍ خارجَ سياقاتِها التَّاريخيَّةِ واللُّغويَّةِ، أو عزلتْها عن المقاصدِ العامَّةِ للقرآنِ الكريمِ، ثمَّ بنتْ عليها تصوُّراتٍ للصِّراعِ الدَّائمِ معَ الآخرِ، وإنَّ هذهِ الدِّراسةَ لا تنقدُ الوحيَ، وإنَّما تُخضعُ الفهمَ البشريَّ للمراجعةِ العلميَّةِ، انطلاقًا مِن أنَّ كلَّ تفسيرٍ هو اجتهادٌ إنسانيٌّ، وليسَ جزءًا مِنَ الوحيِ الإلهيِّ، ولذلكَ، فإنَّ معيارَ صِحَّةِ أيِّ قراءةٍ ينبغي أن يكونَ مدى اتِّساقِها معَ المقاصدِ الكُلِّيَّةِ للقرآنِ الكريمِ، وفي مقدِّمتِها الحُرِّيَّةُ، والعدلُ، والرَّحمةُ، والإصلاحُ، وإعمارُ الأرضِ.

منَ النَّاحيةِ الفلسفيَّةِ، فإنَّ الحضاراتِ لا تقومُ على ثقافةِ الهدمِ، وإنَّما على ثقافةِ البناءِ، ولا تنهضُ بإنتاجِ الكراهيةِ، وإنَّما بإنتاجِ المعرفةِ والعلمِ، ولا تستمرُّ بإلغاءِ الإنسانِ، وإنَّما بصيانةِ كرامتِهِ، ولذلكَ، جاءتِ الرِّسالاتُ السَّماويَّةُ لتُحرِّرَ الإنسانَ مِنَ الجهلِ، والظُّلمِ، والخوفِ، والاستعبادِ، وتفتحَ أمامَهُ آفاقَ العلمِ، والعملِ، والإبداعِ، لأنَّ الإنسانَ الصَّالحَ هو اللَّبنةُ الأولى في بناءِ المجتمعِ الصَّالحِ، والمجتمعُ الصَّالحُ هو الأساسُ الَّذي تقومُ عليهِ الدَّولةُ العادلةُ والحضارةُ المستقرَّةُ.

من هنا، فإنَّ التَّطرُّفَ يُمثِّلُ انقلابًا على فلسفةِ الإعمارِ الَّتي جاءَ بها القرآنُ الكريمُ، إذْ يُحوِّلُ الإنسانَ مِن صانعٍ للحياةِ إلى صانعٍ للموتِ، ومِن حاملٍ لرسالةِ الرَّحمةِ إلى أداةٍ للعنفِ، ومِن شريكٍ في بناءِ الحضارةِ إلى سببٍ في انهيارِها، ولهذا، فإنَّ مواجهةَ التَّطرُّفِ لا تبدأُ بإدانةِ نتائجِهِ فحسبُ، وإنَّما تبدأُ بإعادةِ اكتشافِ المقاصدِ الكُلِّيَّةِ للقرآنِ الكريمِ، وإحياءِ رسالتِهِ في بناءِ الإنسانِ، وإعمارِ الأرضِ، وترسيخِ منظومةِ القِيَمِ الَّتي أرادَها اللهُ تعالى أساسًا للحياةِ الإنسانيَّةِ، وعليهِ، فإنَّ معيارَ التديُّنِ في المنظورِ القرآنيِّ لا يُقاسُ بقدرةِ الإنسانِ على خوضِ الصِّراعاتِ، وإنَّما بقدرتِهِ على بناءِ الحياةِ، وصيانةِ الكرامةِ الإنسانيَّةِ، وتحقيقِ الاستخلافِ الرَّشيدِ الَّذي أرادَهُ اللهُ تعالى، للإنسانِ في الأرضِ، فالدِّينُ، في جوهرِهِ، ليسَ مشروعَ صراعٍ بينَ البشرِ، وإنَّما مشروعُ حضارةٍ يُعيدُ تشكيلَ الإنسانِ أخلاقيًّا وثقافيًّا، ويُقيمُ العمرانَ على أساسِ العدلِ والرَّحمةِ والإنْصافِ، بحُرِّيَّةٍ ومُساواةٍ، ويجعلُ مِنَ القِيَمِ أساسًا لنهضةِ الأممِ واستقرارِها، وبذلكَ يتحقَّقُ المقصدُ الأعلى للرِّسالاتِ الإلهيَّةِ، وهو بناءُ إنسانٍ صالحٍ، ومجتمعٍ عادلٍ، وحضارةٍ تُحقِّقُ الخيرَ للإنسانِ حيثُما كانَ.

الدِّينُ وبناءُ الإنسانِ الجامعِ بينَ الإيمانِ والعقلِ والأخلاقِ.

إنَّ الرِّسالاتِ السَّماويَّةَ لم تأتِ لتُنشِئَ إنسانًا منقسمًا على ذاتِهِ، يعيشُ تناقضًا بينَ إيمانِهِ وعقلِهِ، أو بينَ عبادتِهِ وأخلاقِهِ، وإنَّما جاءتْ لتُعيدَ تشكيلَ الإنسانِ في وحدتِهِ المتكاملةِ، فيغدو الإيمانُ باعثًا على المعرفةِ، ويصبحُ العقلُ سبيلًا إلى إدراكِ الحقيقةِ، وتتحوَّلُ الأخلاقُ إلى التَّرجمةِ العمليَّةِ لهذا الإيمانِ في واقعِ الحياةِ، ولهذا، فإنَّ الخطابَ القرآنيَّ لا يفصلُ بينَ العقيدةِ والسُّلوكِ، ولا بينَ الفكرِ والعملِ، بل يُقيمُ بينَها علاقةً عضويَّةً تجعلُ الإنسانَ وحدةً متكاملةً، لا مجموعةً منَ الممارساتِ المنعزلةِ، فالإيمانُ الَّذي لا يُثمرُ عدلًا ورحمةً وصدقًا وأمانةً يفقدُ غايتَهُ الأخلاقيَّةَ، كما أنَّ العقلَ الَّذي يُعطَّلُ عنِ التَّفكُّرِ والتَّدبُّرِ يتحوَّلُ إلى أداةٍ لتكرارِ الأفكارِ لا لإنتاجِ المعرفةِ.

يُشيرُ القرآنُ الكريمُ إلى هذهِ الحقيقةِ في قولِهِ سُبحانه وتعالى:

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾ [العصر: 1-3].

وتُعدُّ هذهِ السُّورةُ القصيرةُ من أبلغِ ما صاغَ القرآنُ الكريمُ في بيانِ شروطِ النَّجاحِ الإنسانيِّ، إذْ جمعتْ بينَ أربعةِ أركانٍ متلازمةٍ: الإيمانِ، والعملِ الصَّالحِ، والالتزامِ بالحقِّ، والصَّبرِ على حملِ مسؤوليَّةِ هذا الحقِّ، ولم يكتفِ النَّصُّ بالإيمانِ وحدَهُ، بل قرنَهُ بالعملِ، ولم يكتفِ بالعملِ الفرديِّ، بل أضافَ إليهِ مسؤوليَّةَ المجتمعِ من خلالِ التَّواصي بالحقِّ والتَّواصي بالصَّبرِ، ليُؤكِّدَ أنَّ الإنسانَ الصَّالحَ هو الَّذي يُصلحُ نفسَهُ ويُسهمُ في إصلاحِ مجتمعِهِ، ومن هنا، تتجلَّى فلسفةُ القرآنِ في بناءِ الإنسانِ، إذْ إنَّهُ لا يُربِّي فردًا منعزلًا عن مجتمعِهِ، ولا مؤمنًا منغلقًا على ذاتِهِ، بل يُنشئُ إنسانًا يحملُ مسؤوليَّةً حضاريَّةً، يُدركُ أنَّ صلاحَهُ لا ينفصلُ عن صلاحِ محيطِهِ، وأنَّ بناءَ المجتمعِ يبدأُ من بناءِ الضَّميرِ، ثمَّ ينتقلُ إلى بناءِ المؤسَّساتِ، فالدَّولةِ، فالحضارةِ، ومنَ النَّاحيةِ المنهجيَّةِ، فإنَّ هذا البناءَ القرآنيَّ المتكاملَ يُشكِّلُ معيارًا لنقدِ أيِّ فهمٍ يُجزِّئُ الرِّسالةَ الإلهيَّةَ، أو يُقدِّمُ جانبًا منها على حسابِ الجوانبِ الأُخرى، فحينَ يُختزلُ الدِّينُ في طقوسٍ بلا أخلاقٍ، أو في شعاراتٍ بلا عدالةٍ، أو في انتماءاتٍ بلا رحمةٍ، فإنَّ ذلكَ لا يُمثِّلُ اكتمالَ الرِّسالةِ، وإنَّما يُعبِّرُ عن قصورٍ في الفهمِ الإنسانيِّ للنَّصِّ، ولذلكَ، فإنَّ هذهِ الدِّراسةَ تنطلقُ من التَّمييزِ الدَّقيقِ بينَ قداسةِ الوحيِ ونسبيَّةِ الاجتهادِ البشريِّ، فالقرآنُ الكريمُ هو المرجعُ الأعلى، أمَّا كتبُ التَّفسيرِ فهي جهودٌ علميَّةٌ جليلةٌ، غيرَ أنَّها تبقى أعمالًا بشريَّةً، ارتبطتْ بظروفِ أصحابِها، ومعارفِهم، وثقافاتِهم، والسِّياقاتِ الَّتي عاشوا فيها، ومن ثمَّ، فإنَّ احترامَ هذهِ الجهودِ لا يعني منحَها صفةَ العصمةِ، ولا يمنعُ من إعادةِ قراءتِها في ضوءِ المقاصدِ الكلِّيَّةِ للقرآنِ الكريمِ، وما استجدَّ من أدواتِ البحثِ اللُّغويِّ والفلسفيِّ والإنسانيِّ.

من هذا المنطلقِ، فإنَّ مواجهةَ التَّطرُّفِ لا تتحقَّقُ بمواجهةِ النُّصوصِ، لأنَّ النُّصوصَ ثابتةٌ، وإنَّما تتحقَّقُ بمراجعةِ طرائقِ فهمِها، وإعادةِ وصلِها بمقاصدِها الأصيلةِ، الَّتي تجعلُ الإنسانَ محورَ التَّكريمِ، والعقلَ أداةَ الفهمِ، والأخلاقَ معيارَ الإيمانِ، والإصلاحَ غايةَ الاستخلافِ في الأرضِ، فحيثُ تجتمعُ هذهِ الأركانُ، يغدو الدِّينُ مشروعًا لبناءِ الحضارةِ، وحيثُ تُفصلُ عن بعضِها بعضًا، يظهرُ الخللُ، وتتسرَّبُ إليهِ قراءاتٌ تُحوِّلُ الرِّسالةَ من مشروعِ حياةٍ إلى أداةِ صراعٍ، وهو ما تُعنى هذهِ الأطروحةُ بتحليلِهِ ونقدِهِ وفقَ منهجٍ علميٍّ وأكاديميٍّ رصينٍ.

القِيَمُ القرآنيَّةُ أساسُ قيامِ الحضاراتِ واستمرارِها.

إنَّ المتأمِّلَ في الرِّسالاتِ السَّماويَّةِ، وفي القرآنِ الكريمِ على وجهِ الخصوصِ، يلحظُ أنَّها لم تأتِ لتأسيسِ علاقةِ الإنسانِ بربِّهِ فحسبُ، وإنَّما جاءتْ أيضًا لتأسيسِ علاقةِ الإنسانِ بالإنسانِ، وعلاقةِ المجتمعِ بالدَّولةِ، وعلاقةِ الأمَّةِ بالحضارةِ، ومن هنا، فإنَّ القِيَمَ الأخلاقيَّةَ في القرآنِ الكريمِ ليستْ فضائلَ فرديَّةً مجرَّدةً، بل هي القواعدُ الَّتي يقومُ عليها العمرانُ الإنسانيُّ، وتستقرُّ بها المجتمعاتُ، وتنهضُ بها الحضاراتُ، ولذلكَ، فإنَّ القرآنَ الكريمَ لا يفصلُ بينَ الأخلاقِ والتَّاريخِ، ولا بينَ القِيَمِ وبقاءِ الأممِ، لأنَّ ازدهارَ الحضاراتِ لا يرتبطُ بما تمتلكُهُ من ثرواتٍ أو جيوشٍ أو تقدُّمٍ مادِّيٍّ فحسبُ، وإنَّما يرتبطُ قبلَ ذلكَ بمنظومتِها القِيَميَّةِ، فحينَ تسودُ العدالةُ، وتُصانُ الكرامةُ، ويُحترمُ الإنسانُ، وتُؤدَّى الأماناتُ، وتُحاربُ صورُ الظُّلمِ والفسادِ، تتوافرُ البيئةُ الَّتي تسمحُ للعلمِ بالازدهارِ، وللاقتصادِ بالنُّموِّ، وللدَّولةِ بالاستقرارِ، وللحضارةِ بالاستمرارِ.

ويُشيرُ القرآنُ الكريمُ إلى هذا المعنى في قولِهِ تعالى:

﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ [الرعد: 11].
وتُقرِّرُ هذهِ الآيةُ قانونًا حضاريًّا عامًّا، يقومُ على أنَّ التَّغييرَ الحقيقيَّ يبدأُ من داخلِ الإنسانِ، من وعيِهِ، وأخلاقِهِ، وثقافتِهِ، ونظامِ قِيَمِهِ، قبلَ أن ينعكسَ على المؤسَّساتِ والدُّولِ، فالأزماتُ الحضاريَّةُ ليستْ في جوهرِها أزماتِ مواردَ أو إمكاناتٍ، وإنَّما هي، في كثيرٍ من الأحيانِ، أزماتُ وعيٍ، وانهيارُ منظومةِ القِيَمِ، واختلالُ العلاقةِ بينَ السُّلطةِ والأخلاقِ، وبينَ القوَّةِ والعدلِ، ومن هنا، فإنَّ القرآنَ الكريمَ يُحمِّلُ الإنسانَ مسؤوليَّةَ صناعةِ التَّاريخِ، ولا يجعلُهُ أسيرًا للقدرِ أو للظُّروفِ وحدَها، فالتَّقدُّمُ الحضاريُّ لا يتحقَّقُ بالأمانيِّ، ولا بالشِّعاراتِ، وإنَّما يتحقَّقُ بإصلاحِ الإنسانِ، لأنَّ الإنسانَ هو صانعُ المؤسَّساتِ، وهو الَّذي يُقيمُ الدَّولةَ أو يُفسدُها، وهو الَّذي يُشيِّدُ الحضارةَ أو يُسهمُ في انهيارِه.

من هذا المنطلقِ، فإنَّ التَّطرُّفَ لا يُمثِّلُ مجرَّدَ انحرافٍ فكريٍّ أو دينيٍّ، بل يُمثِّلُ أزمةً حضاريَّةً، لأنَّهُ يُقوِّضُ القِيَمَ الَّتي يقومُ عليها العمرانُ الإنسانيُّ، ويُحوِّلُ الاختلافَ إلى صراعٍ، والتَّنوُّعَ إلى خصومةٍ، والحوارَ إلى إقصاءٍ، والعقلَ إلى أداةِ تبريرٍ بدلَ أن يكونَ أداةَ فهمٍ ونقدٍ.

لذلكَ، فإنَّ مواجهةَ التَّطرُّفِ لا تقتصرُ على الإجراءاتِ الأمنيَّةِ أو القانونيَّةِ، على أهمِّيَّتِها، بل تبدأُ بإعادةِ بناءِ منظومةِ القِيَمِ، وإحياءِ الوعيِ المقاصديِّ للقرآنِ الكريمِ، وترسيخِ ثقافةِ العدالةِ، والرَّحمةِ، والحرِّيَّةِ المسؤولةِ والمُساواةِ، والاحترامِ المتبادلِ، بوصفِها الأساسَ الَّذي تقومُ عليهِ الحضاراتُ، وتستمرُّ بهِ الأممُ.

من ثَمَّ، فإنَّ الدِّينَ في صورتِهِ الأصيلةِ لا يُشكِّلُ عائقًا أمامَ التَّقدُّمِ الحضاريِّ، بل يُمثِّلُ أحدَ أهمِّ مصادرِه، لأنَّهُ يُنشئُ الإنسانَ القادرَ على الجمعِ بينَ الإيمانِ والعقلِ، وبينَ الأخلاقِ والعملِ، وبينَ الحرِّيَّةِ والمسؤوليَّةِ، وهي العناصرُ الَّتي لا يمكنُ لأيِّ مشروعٍ حضاريٍّ أن ينجحَ أو يستمرَّ في غيابِها.

عالميَّةُ الرِّسالةِ الإلهيَّةِ ووحدةُ الكرامةِ الإنسانيَّةِ.

إنَّ من أبرزِ الخصائصِ الَّتي تميَّزتْ بها الرِّسالاتُ السَّماويَّةُ أنَّها لم تُخاطبْ جماعةً بعينِها، ولا عِرقًا دونَ آخرَ، ولا أمَّةً دونَ غيرِها، وإنَّما خاطبتِ الإنسانَ بوصفِهِ إنسانًا، وجعلتْ الكرامةَ الإنسانيَّةَ أصلًا سابقًا على جميعِ الانتماءاتِ الدِّينيَّةِ، والمذهبيَّةِ، والقوميَّةِ، والسِّياسيَّةِ، ومن هنا، فإنَّ عالميَّةَ الرِّسالةِ لا تعني إلغاءَ التَّنوُّعِ بينَ البشرِ، وإنَّما تعني الاعترافَ بهِ، وجعلَهُ وسيلةً للتَّعارفِ والتَّعاونِ، لا سببًا للتَّنازعِ والاقتتالِ.

لقد قرَّرَ القرآنُ الكريمُ هذا المبدأَ في قولِهِ تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].

هذهِ الآيةُ من أكثرِ الآياتِ القرآنيَّةِ تأسيسًا لفلسفةِ التَّعدُّديَّةِ الإنسانيَّةِ، إذْ إنَّها لم تجعلِ اختلافَ الشُّعوبِ والقبائلِ مبرِّرًا للتَّفاضلِ أو الهيمنةِ، بل جعلتْهُ حقيقةً وجوديَّةً تُحقِّقُ التَّعارفَ والتَّكاملَ بينَ البشرِ، كما أنَّها نقلتْ معيارَ الكرامةِ من الانتماءِ الخارجيِّ إلى القِيَمِ الأخلاقيَّةِ، وهو انتقالٌ بالغُ الأهمِّيَّةِ في بناءِ رؤيةٍ إنسانيَّةٍ تتجاوزُ العصبيَّاتِ الضَّيِّقةَ، ومن هنا، فإنَّ الاختلافَ في الرُّؤيةِ القرآنيَّةِ ليسَ خللًا ينبغي القضاءُ عليهِ، بل هو سُنَّةٌ من سُننِ الاجتماعِ الإنسانيِّ، والمشكلةُ لا تبدأُ من وجودِ الاختلافِ، وإنَّما تبدأُ عندما يتحوَّلُ الاختلافُ إلى ذريعةٍ لإقصاءِ الآخرِ، أو تجريدِهِ من إنسانيَّتِهِ، أو الاعتداءِ على حقوقِهِ وكرامتِهِ، ولهذا، فإنَّ المشروعَ القرآنيَّ يقومُ على إدارةِ الاختلافِ بالحكمةِ والحوارِ، لا بإلغائِهِ بالقوَّةِ، فالإنسانُ لا يُطالَبُ بأن يُشبهَ غيرَهُ في كلِّ شيءٍ، وإنَّما يُطالَبُ بأن يحترمَ إنسانيَّتَهُ، وأن يلتزمَ بالعدلِ والرَّحمَةِ في التَّعاملِ معهُ، مهما اختلفتِ المعتقداتُ أو الثَّقافاتُ أو الخلفيَّاتُ الحضاريَّةُ.

منَ الضَّروريِّ في هذا السِّياقِ التَّأكيدُ على أنَّ الخطابَ المتطرِّفَ يبدأُ غالبًا حينَ يُختزلُ الإنسانُ في هويَّةٍ واحدةٍ، ويُلغى ما عداها من أبعادِهِ الإنسانيَّةِ، فيُصبحُ الانتماءُ المذهبيُّ أو الدِّينيُّ أو العِرقيُّ معيارًا وحيدًا للحكمِ على النَّاسِ، أمَّا القرآنُ الكريمُ، فإنَّهُ يُعيدُ الإنسانَ إلى أصلِهِ الجامعِ، ويجعلُ الكرامةَ الإنسانيَّةَ قاعدةً للتَّعاملِ، والعدلَ ميزانًا للحكمِ، والرَّحمةَ أساسًا للعلاقاتِ، ومن ثمَّ، فإنَّ الدِّينَ في صورتِهِ الأصيلةِ لا يُنتجُ الانغلاقَ، ولا يُؤسِّسُ للكراهيةِ، وإنَّما يُؤسِّسُ لوعيٍ إنسانيٍّ واسعٍ، يُدركُ أنَّ التَّنوُّعَ لا يُناقضُ الوحدةَ، وأنَّ الاختلافَ لا يُلغي المساواةَ في الكرامةِ والحقوقِ، ومن هنا، فإنَّ كلَّ قراءةٍ تُحوِّلُ الرِّسالةَ الإلهيَّةَ إلى أداةٍ لإنتاجِ العداوةِ الدَّائمةِ بينَ البشرِ، هي قراءةٌ تحتاجُ إلى مراجعةٍ علميَّةٍ في ضوءِ المقاصدِ الكلِّيَّةِ للقرآنِ الكريمِ، الَّتي تجعلُ الإنسانَ غايةً للإصلاحِ، لا وسيلةً للصِّراعِ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة