قراءة في ديوان “من تراتيل العارفين” لرانية مرجيّة
بقلم سلمى جبران
تاريخ النشر: 19/07/26 | 8:52
صوفيّة عصريّة تدمج بين الأرضيّ والسماويّ!
ماذا أقول وكيف أعبّر عن تفاعلي مع هذا الديوان!
في “تراتيل العارفين” تركع الحروف خشوعًا، وتدعوك إلى الركوع معها، أمام سرّ الوجود ومصدر النور في هذا الكون. إنّه كتاب يضع القارئة/القارئ في مكان المرتلين وفي مسار البحث عن الوجود والعدم.
لا، إنّ نصوصه ليست دينيّة ومحتواه لا وعظانيّ، إنّه كتاب وُلد في محراب الكتابة وتعمّد بالألم المقدّس المنبثق من الحقّ! أقتبس: ص11
“فيه صرخة الأنثى التي لا تتجمّل،
وغضب العاشقة التي لا تساوم،
وإيمان تلك التي تؤمن أنّ الله يمرّ من بين الحروف،
كلّما ضاقت بها السبُل.”
وهنا أشعر بالتماهي التام مع كلّ أسباب الكتابة عند رانية ومع كلّ تجلّياتها!
أمّا الإهداء فهو مجبولٌ من طين الصدق:
“أهديه لكلّ من يؤمن أنّ القصيدة لا تنحني،
وأنّ الحبر إذا اختلط بالحقّ … صار دمًا لا يجفّ.”
نعم يا رانية، أحسّ بك، فإنّ الكتابة هي فعل خلاص من كلّ الأدران والضغائن وتشوّه الحياة، وهي حديث مع الذات يعزّ عليّ أن أتبادله مع الآخر، فأكتبه!
في قصيدة “إذا اخترق الربيع فجأةً جزيئات الضوء”، تجتمع الكناية والاستعارة والذات والبيت في مزيج ساحر بين الخيال والواقع!
أمّا قصيدة: “تنتهي الحياة بكلمات مقدّسة”، فإنّها ترتيلة ترتفع إلى مصافّ القداسة، وإلى الحياة التي: “تدوس الموتَ بالموت”!
“الأسود كالغزلان”: تبدو هذه القصيدة وكأنّها تخضع لكاف التشبيه، ولكنّها تتجاوز العنوان بالطول والعرض الارتفاع حيث جعلتني اذهب معها إلى مسافات بعيدة ومساحات شاسعة في فضاء النفس. قرأتُها، مرّاتٍ، بتأمُّل، ووجدتُني أخوض مجالًا من مجالات علم النّفس: ما يبدو شرًّا يخيفنا، نحاول التخلّص منه، وعندما ندنو من أنفسنا يتلاشى الشرّ ويغمرُنا نور المعرفة، فنعيشُ حلمنا!
“كان وجهها” قصيدة تحكي عن: (هو وهي)، تنسج من الصمت حكايات. قَلَقُهُ وقلَقُها يتداخلان ويبدعان جوًّا من الذاكرة المتعبة والمعبّأة بطاقاتٍ زاخرة بالحياة.
قصّة عدم الانجراف مع النهر في قصيدة: “جيوب مثقلة بالحجارة”، هي أسطورة حديثة أبدعتها رانية وفيها تصف النهر بالغرابة لأنّه يسبح في دائرة بلا بداية ولا نهاية: ص21
“فأبعاده بلا قيود،
لا سلطة له في قاع الهاوية،
حيث لا يقف أحد،
ولا يستقرّ طيف الألم”
لو أردت أن أطيل وأقتبس لاقتبست كل قصيدة: “المرايا في الجدول الزمني”، فهي تختصر الحياة البشريّة:
“وتعيد رسم الخطوط بين ما كان،
وما سيكون،
بين ما هو حاضر وما لا يُرى”! ص24
في “مكان ضيّق” تكشف رانية الزنزانة التي نضع أنفسنا فيها حيث يتحوّل الحبّ إلى العيش في مكان ضيّق، ص28:
“لكنّ الحب هنا…حطام،
مزيّف، مشوّه،
وكذلك مدحه،
لا أحد يتحمّل صدقه أو كذبه،
ولا صمته،
ولا تواطؤه مع الألم.”
وهي تنفّذ حفريّات أثريّة في النفس والروح معًا! وتكمل الغوص في أعماق الحياة البشريّة في قصيدة “الزمن” وتدخلها مع الزمن في دائرة سحريّة!
في “فجوة الحزن” و”جرعة” ندخل في دوّامة عبثيّة الواقع والركض وراء السراب!
تأخذنا رانية في رحلة مثيرة في دهاليز التلاعب المجتمعي! … رحلة روح وخيال وتبصُّر… إنها رحلة يكتنفها الصدق والسخرية والمرارة، “حيث الضمير يباع بالتقسيط”!
قصيدة “الصمت” أعتبرها قمّة في معرفة مكامن النفس يصلها الأنسان الذي يمارس التأمّل كجزء من طبيعته وليس من يبذل جهد سيزيف كي يصلها!
وتأتي قصيدة “افتحي النافذة” مشرعةً كلّ النوافذ المتاحة ومحطّمة غير المتاحة لتشكّل انطلاقة وانعتاق وإقلاع إلى حياة بدون قيود! تكشف دواخلنا وتعطينا المسؤوليّة الذاتيّة لإحيائنا: ص64:
“وضوْء عجيب ينبثق من داخلي،
يحييني،
يعيد تكويني،
يشفي جروحي
ويمنحني القوّة لأبدأ من جديد.”
النور والنار والسماء والحزن والألم هي عناصر تتشكّل منها وفيها الأساطير الذاتيّة التي تبدعها رانية وبهذا يتشكل إبداع رانية من خلق الأسطورة وبنائها وليس اقتباسًا أو تقليدًا أو اجترارًا للأساطير الإغريقيّة، ص81.
“استيقظت نفسي: من نور ونار وسماء”، فيها أسطورة نار جديدة تتجاوز النار في الأساطير القديمة، والنار هنا تعلو وتهبط والإنسان يتأرجح بها ويصرخ في وجه العدم:
“وغيمة نورٍ تروي صحراء قلبي،
وروحي لهبٌ متأجّج،
يحترق ليضيء دروبي
ويشعل ألوان الحرّيّة في السماء.” ص 82
الروحانيّة التي تسود في أجواء ما تكتب رانية، ما هي إلّا صوفيّة عصريّة تدمج بين الأرضيّ والسماويّ! وتأتي قمّة هذا المدّ في قصيدة: “الوجود يتقيّأني وأنا أبتلع القيامة”، حيث تشرق الحياة من عبثيّة الحياة:
” نحن نسلّ الأكاذيب، نتنفّس خيانة
نركع للعملة، ونسجد للفراغ
طعَنْتُ صدقي مرارًا
ووشيْتُ بشرفي للعدم
فصفّق لي الحاضر
وامتزج القبح بالتبرُّج
وتجمَّل الفسق بألوان الرّقيّ
وأنا الآن أعترف… نعم أعترف
بأنّني انتهيت قبل أن أبدأ”
الصوفيّة التقليديّة تتحدّث عن النفس البشريّة ببعد فلسفي مطلق: (رباعيّات جلال الدين الرومي)
“كنت أسمع اسمي ولا أرى نفسي،
كنت منشغلًا بنفسي،
لكني أبدًا لم أكن مستحقًا لها،
وحين كان وخرجت من نفسي.. وجدت نفسي.
وعندما سئل: ماذا عنك؟ متى ستبدأُ هذه الرحلة الطويلة إلى نفسك؟
قال: مُكابَدَتُكَ لِنَفسِكَ حربٌ لا نهايةَ لها.
النفس من كثرة المديح تتحول إلى فرعون.”
صوفيّة رانية تدخل في أعماق النفس البشريّة الجماعيّة من الباب المشرع للروح وتغوص في أعماق محيطها لتجد الزيف والقبح والفسق مغلّفة ومتبرّجة بألوان الرقيّ التي تجعل اللعنة تبدو نعمة، والظلام يبدو نورًا!
رانية تجعل الغياب حاضرًا والوحدة اتحاد مع الكون و”الروح تتنفّس حجارة” وتجعل الوجع صليبًا للخلاص!
هنيئًا لنا بك يا رانية!




