باب الأسرار قصة قصيرة
بقلم: رانية مرجية
تاريخ النشر: 18/07/26 | 16:46
في آخر الحارة القديمة كان باب أزرق يشيخ ببطء.
بهت لونه تحت شمس سنواتٍ طويلة، وأكل الصدأ مقبضه النحاسي، حتى بدا كيدٍ تعبت من الانتظار. لم يكن مغلقًا تمامًا، ولا مفتوحًا تمامًا، بل مواربًا، كما لو أنه لا يزال يمنح العالم فرصة أخيرة.
وراء ذلك الباب عاشت أم زيد.
لم يعرفها أحد حق المعرفة. كانوا يرونها قبيل الفجر، تعود من المخبز حاملة رغيفًا أو اثنين، تمشي بخطوات هادئة، ثم تختفي.
لكن الحارة كانت تعرف كيف تملأ الفراغ.
قالوا إنها طبيبة فقدت عقلها. وقالوا إنها هربت من حرب بعيدة. وقالوا إنها خسرت زوجًا وابنًا في ليلة واحدة. وكلما قلّت الحقيقة، ازداد الكلام.
ولم يخطر لأحد أن يطرق الباب.
ربما لأن الناس يخشون الحقيقة أكثر مما يحبون الحكايات.
⸻
في مساءٍ مطير، وقف كريم أمام الباب الأزرق.
كان في التاسعة من عمره، وفي عينيه ذلك الفضول الذي لم تلوثه ظنون الكبار.
رفع يده، وطرق الباب.
ثلاث طرقات.
انتظر.
ثم انفتح الباب ببطء.
وقفت امرأة يغزو الشيب شعرها، لكنها كانت تملك وجهًا هادئًا، كأن الزمن مرّ به دون أن ينتصر عليه.
نظرت إلى الطفل قليلًا، ثم سألت:
– أضعت طريقك؟
ابتسم.
– لا… بس حبيت أعرف مين ساكن هون.
ساد صمت قصير.
ثم تنحت عن الباب وقالت:
– تفضل.
دخل كريم.
لم يجد بيتًا للأسرار كما تخيل، بل بيتًا يشبه الكتب القديمة.
رفوف ممتلئة بالمجلدات، نباتات تعيش قرب النافذة، وصورٌ بالأبيض والأسود لوجوهٍ يكسوها الغياب.
وضعت أمامه كوب يانسون دافئ.
ظل يتأمل المكان، ثم سأل:
– ليش الناس ما بيجوا لعندك؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
– يمكن لأنهم عرفوا عني قبل ما يعرفوني.
لم يفهم كريم الجملة تمامًا، لكنه شعر بثقلها.
⸻
صار يزورها كل يوم جمعة.
يحضر لها خبزًا ساخنًا أحيانًا، أو زهرةً برية يقطفها في طريقه.
وكانت، في المقابل، تعلّمه شيئًا جديدًا في كل زيارة.
مرةً أعطته كتابًا، وقالت:
– اقرأ ببطء… الكتب لا تحب المستعجلين.
ومرةً صححت له رسالة كتبها إلى معلمه، ثم أخبرته أن الكلمة الطيبة قد تغيّر يوم إنسانٍ كامل.
وفي مرة أخرى، جلسا صامتين طوال ساعة، يستمعان إلى المطر.
عندها اكتشف كريم أن الصمت أيضًا لغة.
⸻
كبر الطفل.
وكبر معه السؤال الذي لم يسأله يومًا.
من تكون أم زيد؟
لكنه، كلما همّ بالسؤال، تراجع.
أدرك أن الإنسان ليس ملزمًا بأن يروي جراحه حتى يستحق المحبة.
⸻
في صباح ربيعي، بقي الباب مواربًا كما هو.
لكن أم زيد لم تخرج.
وجدها كريم راحلة في كرسيها الخشبي، وكتاب مفتوح على حجرها، ونظارتها ما تزال بين الصفحات، كأنها توقفت عن القراءة لتلتقط أنفاسها… ثم مضت.
شيعها غرباء أكثر مما شيعها جيرانها.
وبعد أيام، عاد كريم إلى الباب الأزرق.
ظل واقفًا أمامه طويلًا.
ثم وضع وردة بيضاء على العتبة، وكتب بخط يده على الجدار:
“ليست كل الأبواب المغلقة تخفي سرًا… بعضها يحرس قلبًا أنهكه العالم.”
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد أهل الحارة يمرون أمام الباب كما كانوا.
صار بعضهم يبطئ خطواته.
وبعضهم يلمس الخشب الأزرق برفق.
أما الأطفال، فكانوا يسمونه…
باب الأسرار.



