ذاكرة الأرض… هل تحكي “خلة سعدون” قصة مهاجر أندلسي؟
المحامي محمد يحيى
تاريخ النشر: 16/07/26 | 23:38
تزخر الجغرافيا الفلسطينية بأسماء مواقع وخلال ووديان تبدو للوهلة الأولى مجرد ألفاظ دارجة، لكنها في حقيقتها وثائق تاريخية صامتة تختزل هجرات بشرية وتحولات اجتماعية ضاربة في القدم. ومن بين هذه الشواهد الحية في بلدتنا يبرز اسم “خلة سعدون”؛ الاسم الذي يتجاوز حدود التسمية المحلية المعتادة، ليفتح لنا نافذة مثيرة على تاريخ الهجرات الإسلامية الكبرى، وتحديدًا رحلة اللجوء الأندلسي إلى بلاد الشام.
عند تفكيك الاسم لغويًا، نجد أن صيغة “فعلون” التي ينتهي بها اسم (سعدون) هي صيغة أندلسية بامتياز. فقد ذهب علماء اللغة وفقه تاريخ الأصوات إلى أن أهل الأندلس أضافوا المقطع (ون) إلى أواخر أسماء الأعلام بغرض التفخيم والتعظيم والتحبيب، متأثرين في ذلك بالبيئة اللغوية لشبه الجزيرة الإيبيرية القديمة والمستعربين. وفي المقابل، عند مراجعة الدفاتر والسجلات الإدارية العثمانية والمملوكية التي أحصت سكان وفلاحي قرى بلاد الشام وفلسطين، نجد خلواً تامًا من انتشار هذا الوزن الصرفي بين العائلات المحلية، حيث سادت آنذاك الأسماء العربية التقليدية والمركبة.
هذا التباين اللغوي يقودنا إلى فرضية تاريخية وثقافية شديدة التماسك: إن اسم “سعدون” لم يشتقه أهل البلدة من لهجتهم الدارجة، بل هو اسم علم حقيقي لصاحب الأرض ومحييها الأول، والذي يُرجَّح بقوة أنه كان مهاجرًا موريسكيًا (أندلسيًا). فقد شهدت الفترة الممتدة بين عامي 1609 و1614م حملات الطرد الجماعي النهائي للموريسكيين من الأندلس، ويمّمت عائلات عديدة وجوهها شطر المشرق العربي، واستقر بعضها في المدن والقرى الفلسطينية، مثل صفد ونابلس والقدس وضواحيها.
ولعل اقتران الاسم بلفظ “الخلة” – وهي الأرض المنخفضة الخصبة المحصورة بين التلال – يمثل الدليل الأبرز على هذا الربط. فالموريسكيون الأندلسيون عُرفوا تاريخيًا بعبقريتهم الفائقة في الهندسة الزراعية واستصلاح الأراضي البكر، وتشجير الوديان، وتطوير أنظمة الري. ومن المنطقي جدًا أن يكون “سعدون”، المهاجر الأندلسي، قد اختار هذه الخلة بعين خبيرة، فأحيا تربتها وزرعها، ليرتبط المكان باسمه الفريد في منطقته، تميزًا له عن محيطه الاجتماعي.
ومع مرور القرون، ذابت العائلة الأندلسية وانصهرت تمامًا في النسيج الاجتماعي والقبلي، وظل الاسم وحده محفورًا في تضاريس الأرض، كشاهد أثري وبصمة تاريخية تروي قصة مزارع أندلسي هجرته المآسي، فاحتضنته فلسطين، وحفظت اسمه إلى يومنا هذا.



