ما بين البرغل وظاهرة البذخ

كتب : جهاد عقل

تاريخ النشر: 14/07/26 | 19:29

من خواطري
في قريتنا، يوم كنّا أطفالًا، كانت الأعراس بسيطة وعفوية،تحمل فرحًا حقيقيًا لا تكلّف فيه ولا استعراض. لم يكن الأرز (الرز) قد دخل بعد إلى مطبخنا الشعبي الا نادراً جداً جداً، فكانت موائدنا تعتمد على ما تنتجه أرضنا وحظائرنا، وكانت تفاصيل العرس تنبع من روح الناس البسطاء وحياتهم اليومية.

كان العريس، بعد حمّامه في بيت صديق أو قريب، يخرج بلباسه الشعبي المتواضع؛ القمباز والحطّة والعقال، متأنقًاعلى سجيّته، تحيط به زغاريد النساء وأهازيج الأهل والأصدقاء وهم يرددون:
“طلع الزين من الحمّام”
وكانت الزفّة يقودها الشبان بأغانٍ شعبية مثل:
“عريسنا عنتر عبس… عريسنا حلو اللبس”
وغيرها من الأهازيج التي ما زالت ترنّ في الذاكرة حتى اليوم،وتحمل معها دفء تلك الأيام.

بعد الزفّة، يدعو العريس الجميع إلى وجبة الغداء التي أعدّتها نساء العائلة والجارات بمحبة وتعاون. كانت “طنجرة” كبيرة من البرغل تُسكب على حصيرة وتوضع وسط البيت. لا لحوم، ولا مقبلات، ولا موائد فاخرة، وفي أفضل الأحوال توضع بعض صحون اللبن البلدي إلى جانب البرغل.
ومع ذلك، كان الجميع يتناولون الطعام بشهية وفرح،بأيديهم وبقلوبهم، ونحن الأطفال كنّا نتسلل بين الكبار لنحظى بلقمة من “برغل العريس”، التي كنّا نعتبرها من ألذ ما ذقناه.

ومع حلول المساء، “يدخل” العريس على عروسه، وتنتهي مراسم العرس بكل هدوء ومحبة. كانت المناسبة قصيرة وبسيطة، لكنها مليئة بالمودة والصدق والفرح الحقيقي.

ما زلت أستعيد تلك الأعراس بجمالها ودفئها الإنساني،وأقارنها بما أصبحت عليه الأفراح اليوم. فقد تبدّلت الأحوال كثيرًا، وأصبحت المناسبات تمتد لأسابيع طويلة، سهرات متتالية ووجبات لا تنتهي، تبدأ بشرة أيام (على الأقل) السهرات التحضيري، ثم ليلة حناء العروس وجبلة الحناء قبلها ، ثم جبلة الحناء لدى العريس، تليها ليلة حناء العريس، ثم سهرة العروس، فحمّام العريس وزفّته، وصولًا إلى “اليوم الكبير” أي العرس وفرحة الأهل بعرسم وعريسهم.

لكن ما نشهده أن قضية الفرح والواضع تكاد لا تكون اليوم في مجتمعنا، بل لقد تحوّل العرس عند البعض إلى مناسبة للتفاخر والتباهي، لا بالفرح نفسه، بل بعدد المدعوين، وكميات اللحوم، وتكاليف المُغَنين والحدّائين والحلويات والفواكه، حتى أصبحت الأرقام تُقدّر بمبالغ طائلة.

ولم يعد الحديث يدور حول جمال المناسبة أو سعادة العروسين، بل حول:
كم طنًّا من اللحوم طُبخ؟
وكم بلغت كلفة الحفل؟
وهل ستغطي “النقوط” هذه المصاريف الباهظة؟

نعيش اليوم في زمن يُعلن فيه البعض عن أفراحهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل عام كامل من موعدها،وتُنشر فيه صور الناس دون مراعاة لخصوصياتهم، وكأن العرس تحوّل من مناسبة عائلية دافئة إلى مهرجان استعراض علني.

فهل سيصحو مجتمعنا يومًا من هذه الظاهرة التي تتفاقم يومًا بعد يوم؟
وهل نعود إلى معنى الفرح الحقيقي، الفرح البسيط الذي يجمع الناس بالمحبة لا بالمظاهر؟

ومع ذلك، لا بد من تحية تلك العائلات التي ما زالت تقيم أفراحها بتواضع وجمال وإنسانية، وتجعل من العرس مناسبة تليق بالعروسين وأهلهما، بعيدًا عن البذخ والاستعراض.

هذه الذكريات لا علاقة لها بأي شخص أو عرس، بل هي مجرد خاطرة تعيدنا إلى الماضي الجميل، إلى أفراحنا وتكاتفنا وعاداتنا السليمة.

آه… يا زمن الفرح الحقيقي،
زمن العرس المتواضع،
وزمن طبخة البرغل الشعبية الرائعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة