مأساة المنفى بين شيركو بيكس وبي داو

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

تاريخ النشر: 13/07/26 | 19:37

يُعَد المنفى من أكثر التجارب الإنسانية قسوةً وتعقيدًا، فهو ليس انتقالًا جغرافيًّا من مكان إلى آخر فَحَسْب، وإنما اقتلاع للروح من تربتها، وانفصال مؤلم بين الإنسان وذاكرته وهُويته. فالمنفيُّ يَحمل وطنه في قلبه كما يَحمل الجرحُ ألَمَه، ويعيش بين مكان لا ينتمي إليه، ووطنٍ لا يستطيع العودة إليه. ومِن هُنا أصبح المنفى أحد أبرز الموضوعات التي شغلت الأدبَ العالمي، إذْ وجد فيه الشعراءُ مساحةً للتعبير عن الحنين والاغتراب والمقاومة والأمل.
ويبرز من بين هؤلاء الشاعر الكردي شيركو بيكس ( 1940 السليمانية/ كردستان العراق_ 2013 السويد )، والشاعر الصيني بي داو، اسمه الحقيقي زاو زينكاي ( وُلد 1949 بكين )، اللذان جسَّدا في قصائدهما مأساة الإنسان الذي حُرم من وطنه، وإن اختلفت الظروفُ السياسية والثقافية التي أفضتْ إلى هذه التجربة.
عاش شيركو بيكس تجربة المنفى بوصفها امتدادًا لمعاناة الشعب الكردي الذي طالما كافحَ من أجل حُريته وهُويته، فكانتْ قصائده مرآةً لجبال كردستان ووديانها ومدنها، كما كانت سِجلًّا للألم الإنساني الذي خلَّفته الحروب والصراعات والاضطهاد. ولم يكن الوطن عنده مُجرَّد حدود سياسية، بل كان الأم والطفولة والأصدقاء والأشجار والأنهار واللغة والذاكرة. لذلك تحوَّل المنفى في شعره إلى حالة من الاشتياق الدائم، حتى بدا وكأن كُلَّ قصيدة يكتبها هي محاولة للعودة إلى الوطن بالكلمات بعدما استعصت العودة بالخطوات.
استطاعَ شيركو بيكس أن يُحوِّل الحزنَ إلى طاقة شعرية خلاقة، فلم يكن يستسلم لليأس، بل كان يجعل من القصيدة وطنًا بديلًا يحتمي به من الغربة. في نصوصه تتداخل الطبيعة معَ الإنسان، وتتحول الجبال إلى رموز للصمود، والغيوم إلى شواهد على الغياب الطويل، وتصبح الطيورُ رسائل تحمل الحنين. وهكذا أصبحت اللغة عنده وسيلة لمقاومة النسيان، لأن المنفى الحقيقي في نظره ليس الابتعاد عن الأرض، وإنما فقدان القدرة على تذكرها.
أمَّا الشاعر الصيني بي داو، فقد جاءت تجربة منفاه في سياق سياسي مختلف، إذ ارتبطت بالقيود التي فرضتها السُّلطة على حرية الفكر والتعبير.وقد وجد نفسه بعيدًا عن وطنه بعد الأحداث السياسية التي غيَّرت مسارَ حياته، فأصبح يعيش في بلدان متعددة، يَحمل الصين في ذاكرته بينما يحاول أن يبني حياةً جديدة خارج حدودها. ومِن هُنا اكتسب شعره طابعًا فلسفيًّا تأمُّليًّا، إذْ لم يكن المنفى عنده مُجرَّد فقدان للمكان، وإنما كان سؤالًا عميقًا عن الحرية والهُوية والوجود.
تتميز لغة بي داو بكثافتها ورمزيتها، فهو لا يُصرِّح بالألم تصريحًا مباشرًا، وإنما يتركه يتسلل بين الصور الشعرية والإشارات والإيحاءات. لذلك يشعر القارئ وهو يقرأ قصائده بأن الغربة ليست حالةً خارجية، بل هي شعور داخلي يرافق الإنسانَ أينما ذهب. فالمدينةُ الجديدة لا تمحو المدينةَ القديمة، والوجوهُ الجديدة لا تستطيع أن تحل محل الوجوه التي تركها خلفه، والزمنُ لا ينجح في محو آثار الذاكرة مهما امتد.
وعلى الرغم من اختلاف البيئة التي نشأ فيها كُلٌّ من شيركو بيكس وبي داو، فإنَّ بينهما قواسم إنسانية مشتركة عديدة. كلاهما عاش تجربة الابتعاد القسري عن الوطن، وكلاهما جعل من الشعر وسيلةً للحفاظ على الهُوية، والدفاعِ عن الحرية. كما أنَّهما رَفَضَا أن يتحوَّل المنفى إلى استسلام، بلْ جَعَلاه فضاءً للتأمُّل والإبداعِ وإعادةِ اكتشاف الذات.
غَير أن الفارق بين التجربتين يبدو واضحًا في طبيعة الصورة الشعرية. شيركو بيكس أكثر ارتباطًا بالطبيعة، إذْ تتكرر في شعره الجبالُ والأنهار والطيور والأشجار بوصفها رموزًا للوطن والمقاومة. أمَّا بي داو فيميل إلى التجريد والرمزية، ويعتمد على الصور الفكرية التي تمنح قصيدته أبعادًا فلسفية تتجاوز حدودَ التجربة الشخصية. لذلك تبدو قصيدة شيركو بيكس أكثر دفئًا وعاطفةً، بينما تبدو قصيدة بي داو أكثر هدوءًا وتأمُّلًا، وإنْ كان الحنين يسكنهما معًا.
ويبرز الاختلافُ أيضًا في طبيعة العلاقة معَ الوطن. الوطنُ عند شيركو بيكس كائن حَي يتنفس في تفاصيل الحياة اليومية، لذلك يظلُّ حاضرًا في كُلِّ صورة شعرية تقريبًا. أمَّا عند بي داو، فإنَّ الوطن يتحوَّل إلى فكرة مُجرَّدة تتداخل معَ أسئلة الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، فيصبح البحثُ عن الوطن بحثًا عن عالَم أكثر إنصافًا للإنسان.
ومعَ ذلك، فإنَّهما يلتقيان عند حقيقة واحدة، وهي أنَّ المنفى لا يستطيع أن يهزم الذاكرةَ. فالإنسانُ قد يغادر أرضه، لكنَّه لا يغادرها وجدانيًّا. لذلك تتحوَّل القصيدةُ إلى بيت جديد، وتصبح اللغة وطنًا بديلًا يحفظ ملامحَ الهُوية من الضياع. ومِن هُنا كانت الكتابة عند الشاعرَيْن فِعل مقاومة، لأنها تقف في وجه النسيان، وتمنح المنفيَّ قدرةً على استعادة وطنه بالكلمات.
إنَّ مأساة المنفى في شعر شيركو بيكس وبي داو ليست حكاية فردية، وإنما هي صورة لمعاناة الإنسان حين يُحرَم من حقه في الأمن والانتماء والحرية. المنفى يترك أثرَه في النَّفْس كما يترك الزمنُ أثرَه في الحجر، لكنَّه في الوقت نفسه يكشف قدرةَ الإنسان على تحويل الألم إلى إبداع، والخسارة إلى معنى، والغياب إلى حضور دائم في الوجدان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة