الذكرى السنويّة الأولى للمجزرة في السويداء ومثلّث برمودا؛ الشرع، إسرائيل والهجري

سعيد نفّاع

تاريخ النشر: 13/07/26 | 12:22

وقفات على المفارق
** فاتحة: هذه الوقفات لـ “طويلي البال”، فالمناسبة وتداعياتها وآفاق الحلّ تستأهل، وفيها وقفات مع: (1) البراء من الهوى والبصر والبصيرة (2) القرائن والوقائع والقول الفصل (3) التفاهمات الإسرائيليّة السوريّة (4) الخاصرة الرخوة والعود الأحمد (5) الشرع والطبيخ بالمرقة (6) الخيارات بين فكّ الخناق والدولة الديموقراطيّة (7) الأُنشوطة (العُقدة) والعفو العام!
** الوقفة الأولى.. والبراء من الهوى والبصر والبصيرة.
أن تكتب في أيّ شأن بتجرّد وبراء من الهوى ليس بالأمر السهل، ولكنّك تستطيع أن تفعل رغم الطبيعيّة الإنسانيّة إن اتّخذت من الوقائع والقرائن بوصلة. وحينها حتّى لو اجتهدت فيها فلن تعدم البصر والبصيرة وتميل عن سواء السبيل إلى نجم الشمال\ النجم القطبيّ. أن نبنّي موقفًا اعتمادًا على الهوى والعصبيّة العمياء دون القرائن وحدوثها سنبقى نحارب طواحين الهواء شأننا شأن “دون كيشوت” بطل الكاتب الإسباني ميغيل دي ثيربانتس سابيدرا في روايته الشهيرة.
** الوقفة الثانية.. والقرائن والوقائع والقول الفصل.
في هذه الوقفات سأعمل قدر المستطاع على الحيدة عن الاجتهاد وأترك للقرائن والوقائع “أن تتكلّم” علّها تنير لنا طريق الخلاص من “جهنّم الباشان”. وَ “جهنّم الباشان” هذه ليس اجتهادًا منّي هي صرخات الضحايا التي تملأ الدنيا والصادرة عمّن يتيسّر لهم الصراخ في السويداء وذويهم خارجها وفوّهات البنادق لهم في المرصاد، فـ %40 على الأقلّ من دروز سورية يعيشون في مناطق مختلفة خارج “الباشان”، عدا عشرات الآلاف من المغتربين جسدًا المقيمين روحًا وأهلًا في سورية. وأمّا القرائن:
2أ_ يوم 8 كانون الأوّل 2024 سقط النظام السابق. وما كادت تهدأ احتفالات “ساحة الكرامة” في الجبل حتّى خرج الـ “مانيفستو الهجري” بالدولة العلمانيّة (!). وما كاد يحلّ 14 كانون الأوّل 2024 حتّى عقدت “قيادات” الطائفة في إسرائيل اجتماعًا وعلى جدول أعماله وقف التهجّمات على الشرع التي بدأت تغزو وسائل التواصل من شخصيّات درزيّة إسرائيليّة تحت شعار: “هذا يضر في جماعتنا!”، وكان الشيخ الهجري نجم الاجتماع ويخاطب الاجتماع بكلمة هاتفيّة يشيد فيها بقيادات الدروز في إسرائيل وبإسرائيل، ويُطمأن من ناحيتهم أنّ إسرائيل في ظهر الدروز!
2ب_ على ضوء “المانيفستو” توالت الاتصالات بين السلطة الجديدة في دمشق والجبل وتوالت الاجتماعات واللقاءات والبيانات، كلّ متابع يعرفها، وفي صلبها الـ “مانيفستو”. أوصلت كلّ هذه إلى توافقات 12 آذار 2025 في دارة الشيخ الهجري في قنوات، وبدأ تنفيذ التوافقات.
2ت_ 14 آذار 2025، تمامًا يومين بعد التوافقات، يدخل وفد مشايخ من بلدة حظر إلى إسرائيل رغم استنكار فاعليّات حظر ببيان عامّ واضعٍ النقاط على الحروف!!! وكتبنا؛ الحركة التقدميّة حينها: “هذا الوفد هو استغلال سياسيّ رخيص لمحتلّ (حضر) على يد محتّل (إسرائيل) احتلّت البلدة كما غيرها مُقطّعةً بأهلها السبُل لموطنها وأهلها في الوطن… هذا الوفد، بشكله وتوقيته، هو حلقة في اللعبة الإسرائيليّة التي تلعبها إسرائيل في سوريّا لدقّ الأسافين بين مكوّنات الشعب السوريّ وبين الدروز أنفسهم؛ سوريّا وإقليميّا، خدمة لمخطّطاتها ومخطّطات من وراءها في المنطقة، مستغلّة الواقع المعقّد في سوريّا والمنطقة.”
2ث_ 25 نيسان 2025، في عزّ العمل على تنفيذ توافقات آذار، يدخل وفد ضخم من قرابة الـ 500 رجل دين من سورية، وكثير منهم هذه المرّة من السويداء، يدخلون إسرائيل لزيارة دينيّة!!! وَ “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة!”.. فهلّل غالبيّة الدروز وكبّروا، اللهم إلّا صوت “الحركة التقدميّة للتواصل” والتي أصدرت مرّة أخرى بيانًا محذّرة من هذا التصرّف وأبعاده.
2ج_ ما كاد يعود الوفد انفجرت الصدامات في جرمانا وأشرفيّة صحنايا، ونفّذت عمليّات تنكيل وحشيّة. وقفت إسرائيل موقف المتفرّج اللهم إلّا من إلقاء بعض المفرقعات الـ “نتانياهويّة” والـ “كاتسيّة” حول القصر الجمهوري، فأُسقِط في يد “القيادات” الدرزيّة الإسرائيليّة وتغيّرت لهجتها وتوجّهاتها كليّا. لتصدر بيانًا مطوّلا يوم 1 أيّار 2025 اختُتم بالآتي: ” نتوجه إلى كافّة أطياف الشّعب السّوريّ، مُناشدين إيّاهم بوأد الفتنة واجتثاث الطّائفيّة، والامتناع عن الانجرار وراء الجهات الإرهابيّة، الّتي تعرّض السّلم الأهليّ للخطر الجسيم، مع التأكيد على شجب واستنكار كلّ إساءة للأنبياء والرّسل والأديان، وعلى وجه الخصوص الرّسول العربيّ الكريم وخاتم النّبيّين عليه أتمّ الصّلاة والسّلام.”
2ح_ حوصر الأمر في جرمانا والأشرفيّة وتمّت العودة إلى التوافقات يوم 1 أيّار 2025. وهدأت الأمور نسبيّا وسط متابعة التواصل لحلّ، فهدأت الأمور على كلّ المحاور. ومرّة أخرى وفق بيان القيادات أعلاه جاء: “وفق المعلومات الموثوقة الّتي تردنا حتّى الآن من الأخوة والأهل في سوريا، فهناك هدوء نسبيٌّ مشوبٌ بحذر كبير، مع وجود تطوّرات مُتجدّدة على مدار السّاعة.”
2خ_ بين 11 تمّوز الـ 13 منه حدثت أعمال خطف وخطف متبادل أدّت إلى اشتباكات مسلّحة دار رحاها في السويداء وحيّ المقوّس البدوي وغيرها، وتفاقم الوضع. (لجان التحقيق الدوليّة)
2د_ يوم 12 تمّوز 2025 كان الشرع يزور أذربيجان، وعلى هامش زيارته يلتقي في باكو عاصمة الدولة ممثّلون عن الولايات المتّحدة وإسرائيل وسلطة دمشق وممثّل الأمم المتّحدة.
2ذ_ يوم 14 تمّوز تمّ لقاء جمع وجهاء دروز ووجهاء العشائر البدوية، تمّ فيه الاتفاق على إطلاق سراح كافة المختطفين كخطوة أولى ضمن مساعٍ لتهدئة التوتر وخفض التصعيد، فتم الافراج عن المختطفين الدروز في حي المقوس، واستلمت مجموعة السيد عقبة الشاعر المختطفين البدو. غير أنّ هذه التوافقات لم تعش طويلًا وبدأت تظهر المعلومات عمّا يُرتكب في قرى المقرن الشمالي الغربيّ والغربيّ من الجبل وصولًا إلى السويداء، يعني منذ الـ 13 وخلال الـ 14 والـ 15 كانت الانتهاكات الهمجيّة تُرتكب على الهوية الدينية، قامت بها مجموعات جهادية متطرفة تابعة للجيش والامن العام، ومن قبل جهاديين يرتدون زي الجيش. (لجان التحقيق الدوليّة)
2ر _ كيف دخلت هذه الجحافل الهمجيّة وقامت بما قامت به؟! كيف سقطت السويداء العاصمة؟! وَ36 قرية بهذه السرعة؟! أين كانت جحافل “المضافات والجوفيّات” تاركة حماة هذه القرى الأبطال وأهلها لقمة سائغة في يد الهمج؟! أو كانت تذود عن عرين الشيخ في قنوات، والذي كان أصدر بيانًا مرحّبًا بدخول “قوّات الأمن” ما فتئ أن تراجع عنه مطلقًا صيحة “يا غيرة الدين” مدّعيًا أنّه كان أجبر على إصدار بيانه الأوّل!؟ ومن يا ترى القادر كان على إجباره؟!؟!
2ز _ وفي حوالي الساعة 14:30 ظهر الـ 15 تدخل سلاح الجو الإسرائيلي واستهدف تجمعاً لقوات الأمن العام في محيط مبنى قيادة الشرطة وسط مدينة السويداء، بعد ساعتين من قصف استهدف تجمعاً آخراً قرب مبنى فرع الأمن الجنائي.. صحّ النوم! (لجان التحقيق)
وصرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو ووزيره كاتس أن القصف الذي شنّته إسرائيل تجاه الأراضي السورية جاء بدعوى حماية الدروز، استنادًا إلى ما وصفاه بـ “التحالف الأخوي العميق” مع أبناء الطائفة الدرزية في إسرائيل. وأكدا أن دخول الجيش السوري إلى المنطقة الجنوبية المحاذية للحدود الإسرائيلية يمثل انتهاكًا لسياسة نزع السلاح وتهديدًا لأمن إسرائيل. (وسائل الإعلام) … طيّب كيف دخل؟!؟!
2س_ تحقّق “على التمام والكمال” ما أرادت إسرائيل وأدواتها؛ فوُئِد التوجّه الأكثريّ الذي كان سائدًا في الجبل والداعي إلى ترتيب العلاقة مع السلطة الجديدة حسب تفاهمات آذار 2025، وتوُّج الشيخ الهجريّ زعيمًا أوحدَ للجبل أو ما تبقّى من الجبل المليء بالمهجّرين وراح ينفّذ الـ “مانيفستو الهجري” في دولة الباشان؛ العلمانيّة الديموقراطيّة حليفة الدول المتحضّرة؛ الولايات المتّحدة وإسرائيل والإمارات!!!
2ش_ وصدرت البيانات تباعًا من شيوخ العقل الثلاثة وفيها: “٢- دعوة للتدخل الدولي: مطالبة بضرورة تدخل المجتمع الدولي لوقف الاعتداءات. ٣- طلب لجنة تحقيق: دعوة لتشكيل لجنة تحقيق دولية لتوثيق الجرائم.”.
2ص_ تدخّل مجلس الأمن وأصدر قراره يوم 10 آب 2025 وجاء فيه: “وقال المجلس في بيانه الرئاسي- الذي يصدر بإجماع أعضائه الخمسة عشر: “يجب على السلطات السورية المؤقتة أن تضمن مساءلة جميع مرتكبي أعمال العنف وتقديمهم إلى العدالة بغض النظر عن انتماءاتهم. ويحيط مجلس الأمن علما كذلك بقرار إدارة شؤون الدفاع التابعة للسلطات السورية المؤقتة إنشاء لجنة للتحقق من انتماءات الأفراد الضالعين في أعمال العنف وخلفياتهم، ويشدد على أهمية الشمول والشفافية في عمليات العدالة والمصالحة وضرورتها الملحة لإحلال السلام المستدام في سوريا”. الشيخ الهجري: No!
2ض_ طيّب.. وحدث التدخّل الدولي كما طلب المشايخ وصدر بيان عمّان الثلاثي يوم 16 أيلول 2025 ملبيّا المطالب بالتمام والكمال تقريبًا، غير أنّ الغريب أن الهجري يرفضه!
2ط_ تقرير منظّمة الحقوق الدوليّة 15.1.26 15 ، وفيه: “إن القوات الحكومية السورية والجماعات المسلحة البدوية والدرزية المحلية مسؤولة عن انتهاكات جسيمة خلال الاشتباكات في محافظة السويداء الجنوبية في سوريا في يوليو/تموز 2025. ينبغي للسلطات السورية محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات من جميع الأطراف، بما يشمل الملاحقة الملائمة بحق القادة العسكريين وكبار المسؤولين الذين أمروا بارتكاب الانتهاكات أو يتحملون تبعات جرائم الحرب بموجب مسؤولية القيادة.” الهجري: No!
2ظ_ تقرير لجنة التحقيق الدولية آذار 2026: وفيه: “يرحب المجلس الوطني لحقوق الإنسان بصدور تقرير لجنة التحقيق الدولية (A/HRC/61/CRP.7) كوثيقة إدانة تاريخية توثق الجرائم المرتكبة في السويداء. ويعرب المجلس عن قلقه البالغ حيال الحصيلة الدموية المرعبة التي بلغت 1,707 قتلى في المجتمع الدرزي المحلي (بينهم 1,190 رجلاً، و99 امرأة، و22 صبياً، و31 فتاة)، ونزوح 200,000 من الريف الغربي. كما شهد المجتمع البدوي المحلي الأصغر حجماً وفيات تأكد منها مقتل 53 رجلاً، و9 نساء، و5 فتيان، و3 فتيات، ونزوح أكثر من 45,000. وأُفيد أيضاً بمقتل ما لا يقل عن 225 عنصراً من القوات الحكومية، سقط العديد منهم في غارات جوية إسرائيلية في تموز/يوليوز” وفي توصيات التقرير جاء: “توصيات: دعا التقرير إلى تكثيف الجهود لضمان المساءلة الشاملة، وتوفير ضمانات ملموسة واتخاذ إجراءات لمنع تكرار الأحداث، وتعزيز المصالحة وبناء الثقة، ومكافحة خطاب الكراهية. وحث المجتمع الدولي إلى دعم الحكومة لتنفيذ توصيات اللجنة. ودعا الأطراف الخارجية، بما في ذلك إسرائيل، إلى وقف الأعمال التي قد تؤدي إلى مزيد من زعزعة الاستقرار وإلحاق الأذى بالمدنيين.”
بغضّ النظر عن أبعاد “اعتمار العمامة السياسة”.. إذا كان اعتقد الشيخ الهجري وشيخا العقل الآخران في بيانهم أعلاه أنّ التحقيق الدوليّ سيجلب لهم الدولة المستقلّة وحقّ تقرير المصير، فشأنهم كشأن “الجالب الدبّ لكرمه” إلّا إذا سارعوا للاستفادة من هذه التقارير.. على الأقلّ كُرمى لمن يدّعون حمايتهم؟!
** الوقفة الثالثة.. والتفاهمات الإسرائيليّة السوريّة.
3أ_ تفاهمات باريس 24-25 تمّوز 2025 نصّت: “تُقام – حسب الاتّفاق – مجالس محليّة بمشاركة سكّان السويداء، الذين يعيّنون (!) لمعالجة المرافق والخدمات الضروريّة في المنطقة. مثالًا، تقام لجنة للتقصّي وموثقة خروقات الاتّفاق، تقدّم تقاريرها للجانب الأميركي إذا اقتضت الحاجة… وقد تقرّر أن القنيطرة ودرعا، المجاورتان لحدود سوريا- إسرائيل، يُنزع سلاحهما، وتُقام لجان أمنيّة محليّة بمشاركة سكّان المدن – شرط ألّا يكون تحت إمرتهم سلاح ثقيل.”
3ب_ باريس الجولة الخامسة 6.1.26 بحضور المبعوث ويتكوف.. انطلاق المباحثات السورية الإسرائيلية، وفيها: “إن المباحثات تتركز بشكل أساسي على إعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما قبل خطوط الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 ضمن إطار اتفاقية أمنية متكافئة تضع السيادة السورية الكاملة فوق كل اعتبار، وتضمن منع أي شكل من أشكال التدخل في الشؤون الداخلية السورية.”
3ت_ ما رأي أصحاب الـ “مانيفستو الهجري” والدولة المستقلّة في هذا: “السيادة السوريّة الكاملة فوق كلّ اعتبار”؟!
** الوقفة الرابعة.. والخاصرة الرخوة- عودٌ على نشر سابق والعود أحمد!
4أ_ الوقائع والقرائن أعلاه تكامليّا وتقابليّا ودون الحاجة لتحليل ولا لاجتهاد توصلك إلى النتيجة: أنّ هنالك من عَمِل منذ أيّام الأسد ويعمل أيّام الشرع؛ قوى عالميّة وإقليميّة وفي مقدّمها إسرائيل؛ مرّة مباشرة ومرّة مستعملة أدوات لها هنا وهنالك، عمِل ويعمل على أن تكون السويداء وتبقى الخاصرة الرخوة لسورية بغضّ النظر عن شكل النظام السوريّ وخلاصات وتفاهمات لقاءت باريس- باكو – باريس. فسورية إن تعافت ستكون، لطبيعة شعبها رغم ما مرّ ويمرّ عليه اليوم، رقمًا صعبًا في الصراع العربيّ الإسرائيليّ وفي صلبه قضيّة العرب؛ القضيّة الفلسطينيّة، ومهما اعتور هذا الصراع اليوم من معوّقات، وهذا هاجس إسرائيل الأكبر!
4ب_ الأخبار المتواترة عن الواقع في الجبل بجزئيه؛ جبل “الباشان” (!) والثلث المتبقّي منه (36 قرية) التي تحت سيطرة النظام في دمشق، متضاربة ومتناقضة والغالب عليها السوداويّة، وبغضّ النظر لا حلّ إلّا الاتّفاق الثلاثيّ (الرُّباعي- أميركا لا تفعل ما لا يرضي إسرائيل الشريك الغائب الحاضر). ولكنّ حتّى إن تمّ فالسويداء ستبقى إلى أمد غير منظور خاصرة رخوة لسورية لن تُمحى من ساحاتها صور نتانياهو يلفّه العلم الإسرائيلي ولن يسمَح نتانياهو وأذرعه (بقي أو ذهب) أن تُمحى صوره وصور العلم إلى أمدٍ بعيد، ولعلّ في مقابلة الشيخ الهجري الأخيرة مع صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيليّة يوم 13.1.26 القول الفصل. هذا إلًا إذا أعادت إلى السويداء قواها العقلانيّة، رغم الجراح، تاريخَها وتراثَها القوميّ العروبيّ، رغم أنّ هذا يبدو آنيّا بعيد المنال في المستقبل المرئيّ!
** الوقفة الخامسة.. والشرع وَ “الطبيخ بالمرقة” – عودٌ…!
5أ_ المتابع ما يُكتب أو يُقال عن الشرع ليس بحاجة لـ “فراسة” زائدة كي يرى أنّ غالبيّتَه ليست براءً من الهوى، فاختزال كلّ ما يفعل بالقول: إنّه أداة تحرّكها قوى إقليميّة وعالميّة هو تسطيح، ومن الناحية الأخرى كلّ من يراه المنقذ المقدام المنتظر فرؤيته غرضيّة. بعيدًا عن ذلك، وبغضّ النظر عن انتماء الشرع الفكري وبراءتي من الهوى تجاهه من عدمها، أقول: إنّ اختيارات الشرع حين كان بطور أبو محمّد الجولاني تُسجّل له؛ ذاتيّا وموضوعيّا، فمن الناحية المبدئيّة؛ لماذا من يختار أن يقاوم الحاكم الظالم ويقاوم عدوّ الأمّة بطريق معيّن تُعلّق على صدره الأوسمة؟! ومن يختار طريقًا آخر تعلّق له “المشانق” وأوّلا على يد شركائه الموضوعييّن في المقاومة؛ وأقصد أولئك الذين رأوا في الأسد الشرّ المطلق، ولم يروا غضاضة في التحالف ضدّه مع الشيطان ولو موضوعيّا؟!
5ب_ وأمّا “دولة الباشان العظمى” فهي ورقة رابحة في يد الشرع يلعب فيها على “طاولة شطرنج” مع إسرائيل، وكشأن اللاعبين الماهرين اللعبة ستطول إلى ما شاء ذلك اللاعبان خصوصًا وأنّ والحَكم هو المتمثّل في “المندوب السامي” الأميركي، وخصوصًا وأنّ البيادق أهل السويداء والضحايا!
الكهرباء والوقود والطحين و … و … مفاتيحها في الشام يلعب فيها الشرع على هواه، والمقابل حسب تقرير “واشنجطون بوسط” الأخير (بالمناسبة لم نكن بحاجة لهذا التقرير اللهم إلّا في بعض التفاصيل) فمفتاح هذا المقابل هو في تل – أبيب. لدى “أبناء عمومتنا” قولٌ مفاده: “دعهم يُطبخون في مرقتهم”، لا أعرف إن كان أصلانيًّا عندهم أم “لطشوه” كما عادتهم من تراث شعوب أخرى، وبغضّ النظر فهذا هو القاسم المشترك بين إسرائيل والشرع؛ فليُطبخ أهل دولة الباشان بمرقتهم!
كنت كتبت مرّة: “بالأمس القريب شاهدت فيلمًا يرصد أحوال الناس في سوق السويداء، الفيلم من انتاج وسيلة إعلام “باشانيّة” غير معادية، لإظهار معاناة الناس أمام الرأي العام كما كان يعلّق المنتج\ المخرج. من الناس الذين قابل المخرج؛ بائع نبات دُّردار جمعه كقوله من أطراف بلدته جاء به إلى السوق علّه يجمع قوت يومه، وقال: “والله علينا الكلفة للكيلو 13 (هكذا ما عرفت 13 ماذا؛ ألف ليرة واللا مليون) وحتّى بـ 10 ما ماشي معنا…”. فالله يجيركم يا أهل السويداء والمهجّرين منكم من مرارة الدُّردار!
** الوقفة السادسة… والخيارات بين فكّ الخناق والدولة الديموقراطيّة – عود…!
6أ_ الخيار هو بين فكّ الخناق، كأفضليّة أولى، عن أهل الجبل؛ المهجّرين والمحتاجين والطلّاب وذوي الشهداء والمغيّبين، وَ “قطع دابر” المتاجرين في مآسيهم ورعاة الخناق؛ المشغِّلين في تل أبيب، أو الاكتفاء في إطلاق المواقف ضدّ السلطة في دمشق في سبيل دولة المواطنة وعلمانيّتها أو مدنيّتها طريقًا لفكّه كأفضليّة أولى حسب بعض الأطروحات. الخيار الثاني رغم شرعيّته بعيد المنال ومؤجّل إلى “أن يفعل الله أمرًا كان مفعولا”، أمّا الأوّل فهو في متناول اليد إن أحسن أصحاب هذا الطرح التشبيك ميدانيّا مع بقيّة دروز سورية أوّلا من حَمَلة الهمّ العام، وهم الغالبيّة، والعبور من التشخيص إلى المداواة.
6ب_ بغضّ النظر عن الموقف من الحكم الجديد في الشام، وإذا كان الهدف الآن هو إخراج دروز الجبل وبالتالي كلّ دروز سورية من عنق الزجاجة المصنوعة في مصانع زجاج “فينيسيا” الإسرائيليّة، فلا طريق للخروج من الخناق إلّا بوضع اليد في يده – حتّى ولو من خلال لبس القفّازات الجلديّة -، وهنا لافتة للنظر، ولسخرية الأقدار، “نظريّة” “دروز المؤسّسة الإسرائيليّة” في تحليل وضع اليد في يد المؤسّسة رغم ما ارتكبت وترتكب في حقّ الدروز والتحريم على دروز سورية وضع اليد في يد مؤسّستها قبلًا واليوم، فلماذا ما يحلّلونه لأنفسهم يحرّمونه على غيرهم؟!
6ت_ صحيح أنّ قاسمًا مشتركًا يجده المتابع في أطروحات النّخب القلميّة، وهو تبنّي مبادرة عمّان آنفة الذكر، لكنّ التبنّي النظريّ لا يكتمل إلّا بأدوات تنفيذ، وفي الخصومات و\أو العداوات بين الأخصام وبين الأعداء. التشبيك ميدانيّا عمليّاتيًا بين حَمَلة الهمّ العامّ – النُّخب -، بدءًا من خشني الأيادي في شوارع السويداء والأشرفيّة مرورًا بالمتعبّدين في بيوت الله والمقتدرين؛ مقيمين أو مغتربين وانتهاء بالنُّخب القلميّة؛ مقيمة أو مغتربة، هو السبيل للخروج من “عنق الزجاجة”، وحتمًا ستجد هذه النُّخب الدعم من قطاعات واسعة من نُخب بقيّة المكوّنات السوريّة وتتلاشى خيبة الأمل فيها. هذا هو دور النُّخب القلميّة وهذه هي رسالتها التاريخيّة، فهي المطالبة بالتشبيك وقادرة حين تخرج من الاجتهاد الفكريّ إلى العمل الميدانيّ، معلّقة – لا مُبطلة – الأطروحات الفكريّة والسياسيّة على أهميّتها، إلى أجل يعود فيه المهجّر ويأخذ حقّة المُصاب وينال مبتغاه طالب العلم ويقيت أطفاله المحتاج، فرفع الحراب الحادّة الملطّخة عن رقاب العباد هي القول الفصل!
** الوقفة السابعة.. والأُنشوطة والعفو العام!
القرائن والوقائع أعلاه ليست بحاجة لاجتهاد كيّ تُهدي الجميع إلى سواء سبيل، ولكن في كلّ واقعة وكلّ قرينة عُقدٌ هي أناشيط (عُقدة في حبل يسهل انحلالها بمجرد سحب أحد طرفيها). الثلاثيّ أعلاه؛ إسرائيل وسلطة الشام والشيخ الهجري (المثلّث البرمودي)، هم القابضون على أطرافها ولن يُفلت أيّ منهم الطرف في المعطيات “القرائنيّة” أعلاه ما دام كلّ يعتقد أن في بقائها بقاؤه وبقاء مصالحة وبغضّ النظر عن بقاء ومصالح الناس التي تحيط رقابهم الأناشيط حدّ الاختناق هؤلاء يمهلون ولا يهملون وحينها لن تنفع؛ “لات ساعة ندم”.
الطالب من إسرائيل إرخاء طرف العقدة كـ “الطالب الدبس من قفا النمس”، ولكن باستطاعة السلطة في دمشق إن كانت تروم حياة أن ترخي طرف الأنشوطة وهذا من مصلحتها، وهكذا الشيخ الهجري ومن معه والذي يبدو أنّه بدأ بالنزول عن الشجرة التي “تُسُلّق” عليها، وحينها تقصر الطريق إلى توافق على عفو عام كأحد السبل اللهم إلّا عن الملطّخة أياديهم مباشرة بدماء الناس في المجازر وأيّا كان الناس، وكذا ربابنة العصابات، ولا يستهيننّ أحد بالـ “بالمصالحات العشائريّة” وفي سياقنا حين تُرفد بتوافقات عمّان الثلاثيّة، وبإشبينتها؛ القوى النخبويّة السوريّة كلّ النّخب حين تخرج من القول إلى الفعل، ولا ضير في دفعة إقليميّة!
قلت قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم!
سعيد نفّاع
12-11 تمّوز 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة