ما هي تداعيات فوز المغرب على فرنسا !؟

عبده حقي

تاريخ النشر: 11/07/26 | 8:51

بعض مباريات كرة القدم تتجاوز حدود المستطيل الأخضر، وتتحول إلى لحظات رمزية تتكثف فيها الذاكرة والتاريخ والسياسة والهجرة والهوية. لقد انتهت المباراة بفوز فرنسا بهدفين من دون مقابل، وعبرت إلى الدور نصف النهائي، غير أن السؤال الذي ظل يلح عليّ لم يكن متعلقاً بالنتيجة الواقعية وحدها، بل بالسيناريو المضاد: ماذا لو كان المغرب هو الذي انتصر؟ وما التداعيات السياسية والنفسية والإعلامية التي كان سيحدثها إسقاط المنتخب الفرنسي في محطة مونديالية بهذه الأهمية الكبيرة؟

أعتقد افتراضا أن فوز المغرب على فرنسا لم يكن سيغيّر خريطة العلاقات الدولية، ولم يكن سيقلب موازين القوى بين الرباط وباريس، لكنه كان سيحدث زلزالاً رمزياً بالغ الدلالة. فالسياسة لا تُصنع فقط في القصور الوزارية وقاعات المفاوضات، بل تُصنع أيضاً في الصور والمشاعر والانطباعات الجماعية. والدول لا تمارس نفوذها بالسلاح والاقتصاد وحدهما، بل تمارسه كذلك عبر الرياضة والثقافة والإعلام وما يُعرف بالقوة الناعمة. ومن هذا المنظور، كان انتصار المغرب سيشكّل لحظة سياسية مكتملة، حتى لو لم يصدر بعدها أي بيان حكومي ولم تُوقَّع أي اتفاقية جديدة.

كنت سأرى في ذلك الانتصار تكريساً نهائياً لصورة المغرب بوصفه قوة رياضية صاعدة لم يعد حضورها في المونديال حدثاً عابراً أو مفاجأة مؤقتة. ففي مونديال 2022 بلغ المغرب نصف النهائي وصنع تحولاً عميقاً في الوعي الكروي العربي والإفريقي، لكن بلوغه الدور نفسه في نسخة ثانية متتالية، بعد إقصاء فرنسا تحديداً، كان سيمنح الإنجاز معنى مختلفاً. كان سيعني أن ما وقع في قطر لم يكن استثناء تاريخياً، بل بداية مسار جديد لدولة أعادت بناء مشروعها الرياضي على أسس احترافية ومؤسساتية.

الانتصارات الكبرى تمنح الدول رأسمالاً رمزياً لا يقل أحياناً عن الرأسمال المالي. وعندما يهزم منتخب مغربي نظيره الفرنسي في ربع نهائي كأس العالم، فإن ملايين المشاهدين في مختلف القارات لا يرون أحد عشر لاعباً فقط، بل يرون بلداً بأكمله. يرون أكاديمياته، وبنياته الرياضية، وشبابه، وجاليته، ومدنه، وثقافته، وقدرته على التنظيم والتنافس. لذلك كنت سأعتبر الفوز دفعة قوية للدبلوماسية المغربية، ليس بالمعنى التقليدي الضيق، وإنما من خلال تعزيز جاذبية صورة المملكة وإعادة تثبيت موقعها في المخيال العالمي.

غير أن خصوصية الفوز على فرنسا كانت ستمنح الحدث امتدادات أبعد من الرياضة. فالعلاقة بين المغرب وفرنسا ليست علاقة عادية بين دولتين بعيدتين جغرافياً وتاريخياً. إنها علاقة معقدة، تتداخل فيها فترة الحماية الفرنسية، واللغة، والتعليم، والاقتصاد، والهجرة، والمصالح الأمنية، والروابط البشرية حيث توجد في فرنسا جالية مغربية واسعة، كما توجد أجيال كاملة تحمل الجنسيتين وتعيش بين ثقافتين وفضاءين للانتماء. ولهذا فإن مباراة المغرب وفرنسا لا تُشاهد بالطريقة نفسها التي تُشاهد بها مباراة فرنسا ضد دولة بعيدة لا تجمعها بها ذاكرة ثقيلة.

لو فاز المغرب، لكانت الهزيمة الفرنسية قد أثارت نقاشاً داخلياً يتجاوز الأداء الفني للمنتخب. كانت بعض الأوساط الإعلامية ستطرح أسئلة عن معنى أن يهزم بلد كان مستعمَراً سابقاً الدولة التي فرضت عليه الحماية، حتى لو كان كثير من العقلاء سيرفضون هذا التأويل التاريخي المباشر. وكنت أتوقع أن تظهر قراءات متناقضة: قراءة رياضية ترى أن المنتخب المغربي كان الأفضل، وقراءة رمزية تستعيد خطاب ما بعد الاستعمار، وقراءة يمينية متشددة تحاول استغلال احتفالات الجالية المغربية لإحياء السجال حول الهوية والاندماج والولاء الوطني.

كنت أتوقع احتفالات ضخمة في باريس ومرسيليا وليون ومدن أخرى، وكان من الطبيعي أن تستعد السلطات الفرنسية أمنياً لتفادي أعمال الشغب أو الصدامات. لكن الخطر الحقيقي لم يكن في الاحتفال ذاته، بل في الطريقة التي كان يمكن أن يُستثمر بها سياسياً. فبعض التيارات اليمينية كانت ستسعى على الأرجح إلى تقديم الأعلام المغربية المرفوعة في الشوارع الفرنسية بوصفها دليلاً على فشل الاندماج، بينما كان أبناء الجالية يرون فيها تعبيراً مشروعاً عن فرح رياضي لا يلغي مواطنتهم الفرنسية.

في المقابل، كنت سأرى أن مثل هذا الفوز قد يتحول إلى فرصة لفرنسا نفسها كي تعيد التفكير في علاقتها بمواطنيها من أصول مغاربية. فالمشكلة ليست في أن يفرح الفرنسي المغربي بانتصار المغرب، بل في أن يشعر أحياناً بأن المجتمع لا يقبل منه إلا ولاءً أحادي الاتجاه. الهويات الحديثة ليست جدراناً مغلقة، بل فضاءات متداخلة، ويمكن للإنسان أن يكون مغربياً وفرنسياً معاً، من دون أن يكون انتماؤه إلى أحد البلدين خيانة للآخر.

أما في المغرب، فكان الانتصار سيُستقبل باعتباره لحظة وطنية استثنائية. وكانت الحكومة والمؤسسات الرسمية ستقدمه دليلاً على نجاح السياسات الرياضية وعلى صواب الاستثمار في البنية التحتية والتكوين والأكاديميات. وكان الخطاب الرسمي سيؤكد أن الإنجاز ثمرة رؤية طويلة الأمد، لا مجرد صدفة كروية. وهذا أمر مفهوم، لأن كل سلطة سياسية تحاول ربط الإنجازات الجماعية بمشروعها العام.

إن الانتصار كان سيقوي الشعور الوطني ويمنح الشباب المغربي نموذجاً جديداً للنجاح. ففي مجتمعات تعاني جزءاً من أجيالها الإحباط وفقدان الثقة، تأتي الرياضة أحياناً لتقول إن التنافس مع القوى الكبرى ممكن. وكان إقصاء فرنسا سيحمل رسالة نفسية قوية مفادها أن التفوق ليس حكراً على أوروبا، وأن البلدان الإفريقية والعربية تستطيع بلوغ القمة متى توفرت لها الرؤية والاستمرارية والانضباط.

كنت سأرى أيضاً في الفوز المغربي دعماً كبيراً لملف تنظيم كأس العالم 2030. فالمغرب لا يقدم نفسه مجرد شريك جغرافي لإسبانيا والبرتغال، بل بلداً يملك ثقافة كروية حقيقية، وجمهوراً واسعاً، ومنتخباً قادراً على المنافسة، وبنية تنظيمية تتطور بسرعة. وكل تقدم في كأس العالم 2026 كان سيزيد من الاهتمام الدولي بالمغرب بوصفه أحد المضيفين المقبلين للبطولة.

المعنى الأهم بالنسبة إليّ كان سيكمن في إعادة توزيع الثقة داخل العلاقة بين الشمال والجنوب. فلطالما جرى النظر إلى أوروبا باعتبارها المركز، وإلى إفريقيا والعالم العربي باعتبارهما هامشاً تابعاً. وكل انتصار ثقافي أو رياضي أو علمي يحققه بلد من الجنوب يزعزع هذه الصورة القديمة. لذلك فإن فوز المغرب كان سيصبح حدثاً في معركة التمثلات، لا في معركة المصالح المباشرة.

أما العلاقات الرسمية بين المغرب وفرنسا، فلا أعتقد أنها كانت ستدخل أزمة بسبب النتيجة. المصالح بين الدول أكبر من مباراة، مهما كانت حساسيتها. التعاون الأمني والاقتصادي والتجاري والهجرة والاستثمارات والملفات الإقليمية لا تتغير بنتيجة تسعين دقيقة. لكن المزاج الشعبي والإعلامي قد يؤثر في لغة الخطاب وفي بعض التفاصيل الرمزية. ربما كانت باريس ستحرص على تهنئة المغرب بسرعة لتفادي أي قراءة متوترة، وربما كانت الرباط ستؤكد أن الانتصار رياضي ولا يمس عمق العلاقات الثنائية.

لكن الإعلام كان سيبقى الساحة الأكثر اشتعالاً. كنت أتوقع عناوين تستعيد الماضي الاستعماري، وأخرى تتحدث عن انقلاب كروي في موازين القوة، وثالثة تركز على احتفالات الجاليات. وكانت شبكات التواصل الاجتماعي ستدفع التأويل إلى أقصاه، حيث تختلط الرياضة بالسياسة والشماتة والعنصرية والمبالغات القومية.

في النهاية، أرى أن فوز المغرب على فرنسا كان سيحدث أثراً سياسياً حقيقياً، لكن هذا الأثر كان سيكون غير مباشر. لم يكن سيغير معاهدة، ولن يسقط حكومة، ولن يعيد رسم تحالف، لكنه كان سيغير الصور والانطباعات والثقة بالنفس. وكان سيمنح المغرب قوة رمزية إضافية، ويضع فرنسا أمام أسئلة الهوية والذاكرة والجالية، ويمنح إفريقيا والعالم العربي لحظة جديدة من الاعتزاز.

إن السياسة الحديثة لا تتحرك فقط عبر القرارات الرسمية، بل عبر اللحظات التي تعيد تشكيل نظرة الشعوب إلى نفسها وإلى الآخرين. ولو انتصر المغرب، لما كان قد هزم منتخباً أوروبياً كبيراً فقط، بل كان سيحقق انتصاراً في ميدان الرموز، حيث تبقى النتائج أحياناً أطول عمراً من الأهداف نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة