لمّة ولا أجمل
زهير دعيم
تاريخ النشر: 11/07/26 | 5:53
في زاويةٍ هادئةٍ من عبلين الجليلية ، هناك بيتٌ لا تُقاس مساحتُه بالجدران بل بالمحبة التي تسكنه.
بيتٌ إذا دخله المرءُ شعرَ أنَّ الزمنَ لم يمضِ ، وإنما جلسّ على كرسيٍ قريب ، يحتسي القهوة مع أصحابه .
إنه بيت المتقاعدين الأكاديميين – عبلّين ، حيث تلتقي الوجوه التي علّمت أجيالًا ، وما زالت تُعلّم الحياة معنى الوفاء.
يجلسون حول الطاولات ، تتقدمهم سنوات العمر ، لكنْ لا تتقدّمهم الشيخوخة ، فتشاهد يا صاحبي في العيون بريق الموظف الجميل ، ولمعان المعلم الذي لم يغادره الشغف ، وفي الابتسامات دفء الأيام التي كانت فيها الطباشير تصنعُ المستقبل ، والكلمة تبني الإنسان.
هنا محاضرةٌ تفتحُ نافذةً على الفكر ، وهناك ندوةٌ تُشعل حوارًا راقيًا ، وبينهما فنجان قهوةٍ وكعكةٌ بسيطة ، لكنّها تحمل من الألفة ما لا تحمله موائد فاخرة . وما إن تبدأ الأحاديث ، حتى يعود الماضي ضيفًا عزيزًا يروي حكايات المدارس والطلاب والزملاء، والأيام التي كانت تمضي مسرعةً ، لكنها بقيت راسخةً في الذاكرة.
وأحيانًا تُفرش أوراق الشدّة ، فلا تكون لعبةً فحسب ، بل فسحةً من الدّعابة والتحدي البريء ، يتبادلون فيها الضحكات قبل الأوراق ، والودّ قبل الفوز، وكأنهم يثبتون أن الفرح لا يحتاج إلا إلى قلوبٍ تعرف كيف تجتمع .
في هذه اللمّة ، لا أحد يشعر بأنه متقاعد ، فالعطاء لا يعرف التقاعد ، والعلم لا يشيخ ، والرُّوح التي أفنت عمرها في تربية الأجيال تبقى تنبض بالحياة ما دام فيها شوقٌ إلى لقاء ، أو فكرةٌ تُناقش ، أو ذكرى تُروى.
حقًّا … ما أجمل أن يبقى الإنسان وفيًا لرفاق الدرب ، وأن يجد مكانًا يجمعه بهم ، فيتجدّدُ الأمل كما تتجدد القهوة في الفناجين . هناك في بيت المتقاعدين الأكاديميين ، لا تُعدّ السنين بالأرقام بل بالمحبة ، ولا تُقاس الأعمار بالتجاعيد ، بل بما تركته من أثرٍ طيّب في الناس.
إنها لمّة ولا أجمل … لمّةٌ تُعلّمنا أنَّ العمرَ الحقيقيَّ ليس فيما مضى ، بل فيما يبقى من دفء اللقاء ، وصدق الصداقة وعطر الذكريات الجميلة ، وأن أجمل مراحل الحياة قد تكون تلك التي نمنح فيها الوقت للمحبة ، والكلمة للخير، والقلب للأصدقاء.
ففي حضرة هؤلاء المعلمين والمعلمات والموظّفين من كلّ الألوان والأشكال ، ندركُ أنَّ الرسالة لا تنتهي بالتقاعد ، بل تبدأ فصلًا جديدًا عنوانه :
الحياةُ أجملُ حين نتقاسمها مع مَنْ أحببنا واحترمنا طوالَ العمر.
لمّة جميلة يقف على ادارتها كوكبة من البشر تبذل الغالي والثمين .. فألف تحية ، وألف شكر وباقة فلّ ورياحين أزفّها لمجلس عبليّن المحلّي على دعمه الجميل وخيط كرمه الذي لا ينقطع .



