آلام من الضياع ..

يوسف جمّال - عرعرة

تاريخ النشر: 10/07/26 | 11:18

حاوَّلت , أنا وأنتِ وأخي , أن نمنع رحيلك عنا . ورحيلنا عنك .
حاوَّلنا أن نتشبَّث بكلِّ الأشياء الموجودة على ضفاف النهر الهادر بين أمواجه العاتية . بأيدينا بأظافرنا .
ولكن تيّار فيضانه الجارف كان أقوى منّا , فاغتال إلتحامنا ببعضنا وفصلنا عن بعضنا , وترك كلَّ واحد منّا يقاوِّم التيار , ولم يبق له من القوة إلا دمه ودموعه .
——
كانت صرخات أبي ومسباته لأمي وتهديداته تقطِّع أجسامنا. مثل سكين التي تقطِّع اللحم شيئاً فشيئاً بعد شوائه. لم يضرب أمُّنا أمامنا , ولكنّا كنّا نتلقّى الصفعات معها , ولا يفصل بيننا وبينها , إلا باب عاجز عن منع وصولها إًلينا , ولكنه يزيد وقعُها إيلاماً على أجسامنا وعلى أرواحنا .
كانت أمّي تحاوِّل ان تمتصَّ إهاناته وصفعات أبينا , دون أن تصدِّر عنها آهات او صرخات او إحتجاجات , ولكنا نسمعها تستغيث به أن يفعل بها ما يريد بشرط واحد , بحيث لا نشعر نحن أولادها بذلك . ولكنها كانت تعرف أننا نشعر ونسمع ونتألم ونتحطَّم معها .
كان يحاوّل أن يظهر أمامنا محبِّاً حنونا ًمهتماً بنا , بإغداقه علينا الهدايّا والنقود والقبلات والأحضان . ولكن هذه العطايّا كانت تزيدنا كرهأ له . ولكننا كنّا لا نظهر هذا الكره , خوفاً من أن يتحوَّل الى مزيداً من العذاب الذي تتلقاه أمُّنا منه .
نقبِّل يديّه صباحاً لعَّل ذلك يمنعها من الإمتداد على أمِّنا في المساء .
كنا نقبِّل فمه صباحا ًمحاولين منع هذا الفم , من كيّل الإهانات لها في المساء .
كنا نلتصق به في المساء محاولين منعه من الدخول الى غرفته , ومناداتها كيّ يعطيها و يعطينا, وجبتنا اليوميه من الألم والعذاب.
ولكن هذا لم يستطع منع استمرار مسلسل الجراح , الذي نهايته كانت حتميّه قبل ان يبدأ . كلّ اللفّافات التي ضمَّدنا بها الجراح , لكيّ نحاوّل وقف النزيف الدامّي فلم نستطع .
—–
مرة واحدة لم تقدر أمي ان تتوقَّف عن البكاء ..
دخلتُ غرفتها فجأة . وعندما رأتني حاوَّلت ان تتوقَّف , ولكن كل محاولاتها فشلت في إيقاف هذا السيل من النحيب, الذي رافق دموع عينيها .
نظرتُ الى وجهها , فرأيته خطوطاً حمراء رسمتها أصابع من نار. أسرعت نحوها ورميّت بنفسي في أتون أحضانها, وبدأت اتمتَّع بنغمات نحيبها , ورطوبة دموعها الساخنه حتى “سكرنا” معاً , وصحّوتُ من نومي , على شفتيها تلملمان قطرات الدمع من على صفحات خدودّي .
ولما عاد أبي الى البيت في المساء , مدَّ يده ليتحسَّس خدّي فسحب يده بسرعة , كأنَّه مدَّ يده الى جحرٍ للدبابير.
فانسحب الى غرفة نومه طارقاً الباب وراءه , و ولم نراه إلا في مساء اليوم التالي يدخل محمَّلاً بالهدايا, وضعها على الطاولة , وهرب من عذاب عيوننا الى غرفته .
—=-
” رغم قسوتكَ سأظلُّ أحبِّكَ الى الأبد. رغم ان حبّك “يشوّي” كيانّي بحرارته الكاوِّية , إلا إنّي أشعر أن هذا الحبّ الكاوّي بلهيبه, يفتح براعم مشاعري , فتنشر عطرها في كلِّ مساحات روحي فتصبح أوتاراَ لعزفك “.
هذه كلمات من إحدى رسائلها إليّه في أيام الخطوبة ..
لقد وجدتُ هذه الرسائل في صندوق موضوع على ظهر الخزانة القديمة. خزانة زواجهما . وهي الآن “مرميّة” في مخزن في الطابق الأرضي , الذي نستعمله فقط , من أجل خزن كل ما نستغني عن استعماله.
أخرجتها من الصندوق , وأخفيتها في مكان ما خلف أحد جوارير خزانتي .
وبقيت هناك قنبلة موقوته , لم أستطع أن أمدَّ إليها يدي .
كيف تستطيع طفلة في السادسة عشره من عمرها , إقتحام عالم أمِّها وأبيها الخصوصي.!؟
وكيف تستطيع طفلة اقتحام أرض محرَّمة , محظور دخولها لكلِّ الناس وخصوصاً أولادهم .!؟
أردتُ الدخول الى هذه المناطق المحظورة , لعلّي أجد فيها تفسيراً او تبريراً يفسِّر معاملته لها . ولكنّي كلمّا اقتربت منها , تسري في شراييني فيضانات من الرهبة والخوف , أبعدتني بعيداً عنها .
——
انسحابِكِ من حياتنا يا أمي , جعلتنا نشعر أننا فقدنا كلَّ ما لنا في هذه الحياة . وقعنا في هاوية بلا قرّار . شعرنا أننا وصلنا الى نهاية حياتنا .
فجأة , أنا ابنة الثانية عشرة , وجدت نفسي أنوء تحت أثقال وأعباء أكتافي صغيرة عليها . أعمال المنزل والعناية بأخي ابن السابعة .وعيون أبي التي تعذَبني وترميني باتهامات صامته .
—-
رسائلك إلي أبي , يا أمي , الذي وجدتها في خزانتكم , هي الخشبة التي تشبَّثتُ بها بعد تحطِّمت السفينة , ليس لكيّ تنقذني من الغرق , ولكنّي لم أجد غيرها ً حوّلي , أصبُّ فيه دموعي وآهاتي .
فصرت أقضي معظم أيّامي ولياليَّ , أسبح بين أمواج سطورها السوداء , فتشبعني لطماً وأشبعها دموعاً. حتى أصبحنا , أنا وهي , توأمان لا يفترقان.
أدمنا على التعذيب المتبادل , حتى أصبحنا نجد لذِّة في هذا العذاب الدامي .
———–

“إنك تحتويني بين يديك , وتشدّي بقوة على روحي , لدرجة أنك لا تعطيني فتحة لأتنفس منها .
إنك تمتلكني لدرجة أنني أصبحت جارية لحبِّك “.
كلمات كتبتها أمي لأبي في إحدى رسائلها المؤرخة قبل خمسة أشهر من زواجهما.
——–
ثماني عشرة سنة , عاشت أمي مع أبي في القمقم الذي حبسها معه فيه , وحوّلها الى مستودع لكلِّ نزواته وسموم تقلبات مزّاجه .
وهكذا يكتب لها في إحدى رسائله اليها :
“أنت جزء من أحاسّيسي , وامتداداً لروحي ستكونين لي لوحدي. اعدتُ تشكيلك في مخيّلتي كيّ تكونين توأمة للصورة التي رسمتها لك ” .
———
أمّي بكيّنا وفرحناً عليّك ولك.
بكيّنا على حضن مجروح أخذتِه معك . كان يحتوّينا ويحمينا بجراحه الدافئة.
وفرحنا معك لأنّك نشلت روحك من العذاب الذي كنت تعيشين فيه . ٍ
لا تعودي يا أمّاه . لا تعودي الى الجحيم !.
لا تعودي من أجلنا , لأننا لا نريد ان نتدفأ على نار جحيمك.
لا نريد أن نحتمّي في شقوق جراحِك . لا نريد أن نلجأ الى آلام حضنِك المحطَّم .
سنحاوّل ان نلملم فيّض أحاسيسك المنثورة في قلوبنا وأرواحنا , لتكون لنا غذاء يساعدُنا في مسيرتنا حتى لقائك .
لقائك الذي سنعيش من أجله .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة