أعراس اليوم؛- بين المظاهر الخداعة وضياع أصالة الماضي..!
سعيد بدران
تاريخ النشر: 10/07/26 | 8:09
تُشكل الأفراح في مجتمعاتنا مناسبات تجمع الأهل والأحبة لنشر البهجة والمودة، ولكن، في السنوات الأخيرة، انحرفت الأعراس عن بساطتها المعهودة، وتحولت إلى ساحات للمظاهر الزائفة والسلوكيات المزعجة التي تثير الضيق بدلاً من الفرح.
وبدأت تنتشر عادات مزعجة تثير إمتعاض المدعوين ومنها طوابير الاستقبال الطويلة التي تتغلف بسيل من المجاملات التي بلا معنى.
وتبدأ المعاناة منذ لحظة دخول ساحة الفرح، حيث يصطف طابور طويل من المستقبلين قد يصل الى حوالي ثلاثين. والمفارقة أن معظم هؤلاء ليسوا من أهل العريس المقربين او حتى أقارب من الدرجة الثالثة، وإنما من أصدقاء متبرعين او تم إختيارهم بعناية مسبقًا.
وهنا يجد الضيف المدعو نفسه مضطرًا لمصافحة وتقبيل عشرات الأشخاص الذين لا يعرفهم، في طقس مرهق ومصطنع يستهلك وقت الحفل وطاقة الحضور دون أي داعٍ اجتماعي حقيقي.
اما عن طبقية الشخصيات ال”اعتبارية” الـ VIP وعن التملق المفرط فحدث بلا حرج..
فمن الظواهر المقيتة في أعراس اليوم هو تقسيم المدعوين إلى درجات، إذ يُخصص الصف الأول لمن يُطلق عليهم “الشخصيات الاعتبارية” (VIP)، أو يرون أنفسهم كذلك، ويُحاطون باهتمام مبالغ فيه، بينما يُعامل بقية الضيوف وكأنهم درجة ثانية أو ثالثة.
ويزداد المشهد سوءًا بالتملق المقزز للمطرب أو الشاعر المأجور. ويعلم الجميع أن هذا الفنان جاء من أجل المال، وأنه يكرر نفس عبارات المديح الجاهزة من فرح إلى آخر، مع تغيير الاسم واللقب فقط. ويصل الابتذال ذروته عندما يقوم البعض بـ “تنقيط” المطرب ودس الأموال في جيبه او “عبّه” بطريقة تشبه ما يحدث في الملاهي الليلية، وهو سلوك يخدش الحياء ويهين قيمة المناسبة..!
ولا ننسى هبوط الكلمات والتحريض على العنف إذ لم يعد الفن الشعبي في الأعراس يحمل رسالة بل بات بعض الفنانيين ينتهجون أسلوب الإثارة الرخيصة عبر إستخدم كلمات هابطة ومقاطع صوتية تحفز على النعرات العائلية، والعنف، وحتى تحفيز الرغبة على إمتلاك السلاح.
ولا بد من التطرق إلى ظاهرة بوفيهات التشريفات الباهظة المكلفة، والتي أصبحت اليوم تعج بكل خيرات الدنيا، وتُكلف أصحاب الحفل مبالغ طائلة تضعهم تحت طائلة الديون.
والسؤال المطرح هنا هل كل هذا الإسراف ضروري؟ والجواب واضح جدًا..!
وللاسف الشديد لقد غطت مظاهر التفاخر بالأنواع والأصناف على المعنى الحقيقي للضيافة، وتحول الأمر إلى استعراض طبقي مقيرًا للاشمئزاز والامتعاض.
ضجيج الطبال وغياب العمالقة.!
كل ما سبق في كفة، وظاهرة “التطريب بالإكراه” في كفة أخرى. في الماضي، كنا نجلس ونستمع إلى زجل وشعر حقيقي بهدوء ومتعة. أما اليوم، فقد اختفى الطرب وحل مكانه صخب الطبول والمؤثرات الصوتية المزعجة. تحول العازفون إلى حركة عشوائية تشبه صخب السيرك، وكأننا نعيش في مشهد مكرر من فيلم “الراقصة والطبال”.
رحم الله أيام عمالقة الفن الشعبي الأصيل؛ أمثال الريناوي، وأبو صنع الله، والأسدي، وأبو ليل، وأبو عدنان الذين لم يكونوا مجرد مُؤَدين، بل كانوا شعراء بحق وحقيقة، يملكون المبادئ، ويتميّزون بالشهامة، والخلق العظيم. كانت كلماتهم تلامس الوجدان وتزرع المحبة، ورحيلهم ترك فراغًا كبيرًا ملأه صخب المظاهر وتجارة المشاعر.
وأخيرًا همسة في أذن “حداية” فاردة العروس؛ انتم رايحين تجيبوا العروس ومش ضروري تزعجوا كل الحارات والبلدات الي بتمروا عبرها باصواتكم، بيكفي تصدحوا باصواتكم لما تقتربوا من بيت العروس، وكثّر الله خيركم..!



