العربية بين الحفظ وإنتاج المعرفة: كيف تصنع اللغة نهضتها؟

الدكتورة فاطمة ابوواصل إغبارية

تاريخ النشر: 07/07/26 | 13:31

من الأسئلة التي تستحق التأمل اليوم: هل تراجعت اللغة العربية لأنها أصبحت لغةً للحفظ أكثر من كونها لغةً لإنتاج المعرفة؟
قد يبدو السؤال صادمًا، لكنه يلامس واحدة من أهم القضايا الحضارية في تاريخ الأمم. فاللغات لا تموت لأنها فقيرة، ولا تزدهر لأنها جميلة، وإنما تقوى عندما تتحول إلى أدوات لإنتاج المعرفة، وتضعف عندما ينحصر دورها في نقل ما أنتجه الآخرون أو حفظ ما أنتجه السابقون.

عندما كانت العربية لغة العالم

إذا عدنا إلى العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، نجد أن العربية لم تكن لغة الدين والأدب فقط، بل كانت اللغة العالمية للعلوم. فقد أُلفت بها آلاف الكتب في الطب، والصيدلة، والرياضيات، والفلك، والبصريات، والكيمياء، والهندسة، والجغرافيا، والفلسفة، والاقتصاد، وعلم الاجتماع، وغيرها من العلوم.

ولم يكن العلماء يكتفون بترجمة علوم الأمم الأخرى، بل كانوا ينقدونها، ويصححونها، ويضيفون إليها، ثم يبدعون نظريات جديدة أصبحت فيما بعد أساسًا لنهضة أوروبا.

إن أسماء مثل الخوارزمي، وابن الهيثم، وابن سينا، والرازي، والبيروني، وجابر بن حيان، لم تخلد لأنها حفظت ما سبقها، وإنما لأنها أنتجت معرفة جديدة غيّرت مسار التاريخ.

ولهذا أصبحت العربية يومئذ لغة الجامعات والمكتبات والمراصد والمستشفيات، وكانت لغة البحث العلمي الأولى في العالم لقرون متتالية.

متى بدأ الخلل؟

بدأ الخلل عندما تغيّر مفهوم التعليم في كثير من البيئات العلمية، فأصبح النجاح يقاس بكمية ما يحفظه الطالب، لا بقدرته على التفكير، والتحليل، والابتكار، وحل المشكلات.

وتدريجيًا، انتقل الاهتمام من العقل المنتج إلى العقل الحافظ، ومن الاجتهاد إلى التقليد، ومن طرح الأسئلة إلى الاكتفاء بتكرار الإجابات.

وهنا ينبغي التأكيد على حقيقة مهمة، وهي أن الحفظ ليس عيبًا، بل هو أساس ضروري في بناء المعرفة. فالقرآن الكريم حُفظ، واللغة تُكتسب بالحفظ، والعلوم تحتاج إلى قواعد وأصول تحفظ. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الحفظ هو نهاية العملية التعليمية، لا بدايتها.

اللغة لا تنهض بالحفظ وحده

كل لغة في العالم تحتاج إلى أربعة عناصر كي تزدهر:

* إنتاج المعرفة.
* البحث العلمي.
* الابتكار التقني.
* صناعة المحتوى.

فإذا غابت هذه العناصر، أصبحت اللغة مستهلكة للمعرفة أكثر من كونها منتجة لها، مهما بلغ عدد المتحدثين بها.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل العربية قادرة على مواكبة العصر؟ بل هو: هل نحن ننتج بالعربية ما يجعلها مواكبة للعصر؟

فاللغة لا تصنع المعرفة وحدها، وإنما يصنعها أهلها.

درس من التاريخ

حين كانت العربية لغة الفيزياء والطب والفلك والرياضيات، كانت في صدارة الحضارة الإنسانية. وحين تراجع الإنتاج العلمي بها، تراجعت مكانتها الدولية، بينما صعدت لغات أخرى لأنها أصبحت لغات الجامعات، والمختبرات، والمراكز البحثية، والصناعات المتقدمة.

ولذلك فإن مستقبل العربية لا يرتبط فقط بحماية قواعدها أو المحافظة على مفرداتها، وإنما يرتبط بقدرتها على أن تكون لغة للذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والعلوم الحديثة، والتقنيات الناشئة، وريادة الأعمال، والبحث العلمي.

نحو نهضة جديدة للعربية

إن استعادة مكانة العربية لا تتحقق بالمؤتمرات والخطابات وحدها، بل تحتاج إلى مشروع حضاري متكامل يقوم على:

* تحويل الجامعات العربية إلى مراكز لإنتاج المعرفة.
* تشجيع الباحثين على التأليف العلمي باللغة العربية.
* تطوير مصطلحات علمية حديثة تستوعب الثورة التقنية.
* الاستثمار في المحتوى العربي الرقمي.
* بناء نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة تعتمد على العربية.
* تعليم التفكير النقدي والإبداعي بدل الاقتصار على التلقين.

خاتمة

لقد أثبت التاريخ أن العربية لم تكن عظيمة لأنها لغة الماضي، بل لأنها كانت لغة المستقبل في زمانها. وكانت قوية لأنها احتضنت العلماء، وشجعت البحث، وأنتجت المعرفة، ولم تكتف بحفظها.

واليوم، إذا أردنا للعربية أن تستعيد مكانتها بين لغات العالم، فعلينا أن نعيد إليها رسالتها الحضارية: أن تكون لغةً تُنتج الأفكار، وتبتكر الحلول، وتشارك في صناعة المستقبل.

فالأمم لا تُقاس بما تحفظه من كتب، بل بما تضيفه إلى مكتبة الإنسانية. واللغة العربية لن تستعيد ريادتها إلا عندما تعود لغةً للإبداع والإنتاج المعرفي، كما كانت في أزهى عصورها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة