دعوى جنوب افريقيا امام محكمة العدل الدولية ضغوط السياسة وقوة القانون
فتحي كليب
تاريخ النشر: 05/07/26 | 17:25
وصلت إلى “الدائرة القانونية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين” خلال الأيام الأخيرة جملة من الاستفسارات والمتابعات الواردة من احزاب غربية ومن مؤسسات إعلامية، وشخصيات وطنية وناشطين فلسطينيين، بشأن الأخبار المتداولة إعلاميا، والتي تفيد أن السلطة الوطنية الفلسطينية، أو دولة فلسطين، تقدمت بطلب رسمي إلى دولة جنوب أفريقيا لسحب الدعوى المقامة ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، أو بطلب مباشر إلى المحكمة لتأجيل النظر فيها، وهي الدعوى المتعلقة باتهام إسرائيل بانتهاك أحكام اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وذلك على خلفية الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
ونظرا لما أثارته هذه الأخبار من قلق واسع لدى الأوساط الفلسطينية السياسية والشعبية والحقوقية ولدى الحريصين على ان تأخذ هذه القضية مسارها الصحيح حتى نهايته، ولما قد يترتب عليها من آثار تتصل بفهم حقيقة المسار القضائي الدولي القائم ضد إسرائيل، إرتأينا توضيح هذه المسألة استنادا إلى الوقائع القانونية والسياسية الثابتة، وإلى الأحكام القانونية الناظمة للدعوى المنظورة أمام محكمة العدل الدولية.
في المعطيات السياسية المحيطة بالدعوى
من الثابت سياسيا أن الولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب دولة الاحتلال الإسرائيلي، تبذلان منذ تقديم الدعوى امام محكمة العدل الدولية جهودا سياسية ودبلوماسية واقتصادية مكثفة بهدف الضغط على دولة جنوب افريقيا لحملها على وقف الإجراءات القضائية أو سحب الدعوى المقامة ضد إسرائيل.
وقد تجاوزت هذه الضغوط حدود المواقف السياسية التقليدية، لتصل إلى التهديد بفرض إجراءات عقابية اقتصادية وتشريعية ضد جنوب أفريقيا، وهو ما أقر به علنا وزير العلاقات الدولية الجنوب أفريقي، الذي أكد بصورة صريحة أن بلاده تعرضت لضغوط مباشرة وغير مباشرة، لكنها رفضت الاستجابة لها، مؤكدا تمسك بلاده الكامل بالمسار القضائي.
وفي المقابل، لا يمكن من الناحية السياسية استبعاد احتمال ممارسة ضغوط أمريكية على السلطة الفلسطينية بهدف التأثير على موقفها من الدعوى، خاصة أن التجربة السياسية الفلسطينية شهدت سوابق مماثلة، أبرزها ما جرى عام 2009 عندما تم تأجيل التصويت داخل مجلس حقوق الانسان التابع للامم المتحدة على تقرير غولدستون المتعلق بالعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، بعد ضغوط امريكية وغربية مورست على قيادة السلطة.
إلا أن المبدأ القانوني يقتضي التأكيد أن وجود ضغوط سياسية، أو حتى وجود اتصالات غير معلنة، لا يشكل بحد ذاته دليلا قانونيا على وقوع تصرف رسمي من السلطة الفلسطينية ما لم يصدر إعلان رسمي أو وثيقة قانونية تثبت ذلك بصورة قاطعة، وهذا ما لم يحدث، اقله حتى هذه اللحظة، وما يحصل هو مجرد تسريبات اقرب الى المواقف السياسية ولا تمت للوقائع القانونية بأية صلة. في معظم الحالات، فقد نفت وزارة الخارجية الفلسطينية، صحة الاخبار المتداولة اعلاميا بشأن طلب السلطة من جنوب إفريقيا سحب دعوى الإبادة المرفوعة ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية.
في الطبيعة القانونية للدعوى المقامة أمام المحكمة
بتاريخ التاسع والعشرين من كانون الأول/ديسمبر 2023، تقدمت دولة جنوب افريقيا بدعوى رسمية ضد دولة اسرائيل امام محكمة العدل الدولية، استنادا إلى أحكام “اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948”. واستندت هذه الدعوى إلى المادة التاسعة من الاتفاقية، التي تقرر اختصاص المحكمة بالنظر في النزاعات المتعلقة بتفسير الاتفاقية أو تطبيقها أو تنفيذها، متى ادعت دولة طرف أن دولة أخرى انتهكت الالتزامات المترتبة عليها بموجب الاتفاقية.
وتكتسب هذه المادة أهمية خاصة لأنها تقرر مبدأ قانونيا بالغ الأهمية، مفاده أن الحماية التي تقررها الاتفاقية لا تنشأ فقط لحماية مصالح الدول بصورة منفردة، وإنما لحماية مصلحة إنسانية عامة تعني المجتمع الدولي بأسره.
وبموجب هذا الفهم القانوني المستقر في قضاء المحكمة، فإن الالتزامات الناشئة عن “اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية” ليست التزامات تعاقدية ثنائية بين دولتين، وإنما التزامات عامة مشتركة تتحملها جميع الدول الأطراف، بما يخول أي دولة موقعة على الاتفاقية أن تتحرك قانونيا لمنع وقوع الجريمة أو لمساءلة الدولة التي يشتبه في ارتكابها لها.
وقد سبق للمحكمة أن أكدت هذا المبدأ في أكثر من قضية، وأرست قاعدة قانونية مؤداها أن منع جريمة الإبادة الجماعية يمثل التزاما دوليا ساميا يعلو على المصالح السياسية المباشرة للدول.
الفرق القانوني بين تمديد المهل الإجرائية وسحب الدعوى
من الناحية القانونية، يجب التمييز بصورة دقيقة بين أمرين مختلفين:
الأول هو طلب تمديد المهل الإجرائية، وهو إجراء قضائي معتاد تلجأ إليه الأطراف المتقاضية عندما تحتاج إلى وقت إضافي لإعداد مذكراتها القانونية ومرافعاتها أو مراجعة الأدلة والوثائق أو إعداد الردود الكتابية المطلوبة ضمن المراحل المحددة من المحكمة.
أما الأمر الثاني فهو سحب الدعوى أو التنازل عنها، وهو تصرف قانوني مختلف كليا، يترتب عليه إنهاء الخصومة القضائية أو وقف السير في الدعوى، ويملك القيام به حصريا الطرف الذي بادر إلى إقامة الدعوى، أي الدولة المدعية.
والثابت قانونيا أن دولة جنوب أفريقيا هي التي تقدمت بطلب رسمي إلى المحكمة لتمديد المهلة الممنوحة لها لتقديم ردها الكتابي على المذكرة الإسرائيلية الموسعة التي قدمت عام 2026. وقد وافقت المحكمة على هذا الطلب وحددت تاريخ الثاني والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر 2027 موعدا نهائيا لتقديم الرد، كما منحت إسرائيل مهلة لاحقة لتقديم تعقيبها. وبالتالي فإن ما جرى قانونيا هو تمديد للإجراءات الكتابية في الدعوى، وليس تعليقا لها، وليس سحبا للدعوى، وليس وقفا نهائيا للسير فيها.
ان طلب تأجيل الإجراءات يمكن ان يفسر، من الناحية القانونية، في إطار متطلبات التقاضي والإجراءات التي تفرضها طبيعة الدعوى نفسها. ولا شك أن لهذه الخطوة اعتبارات قانونية ينبغي أخذها في الحسبان وعدم القفز إلى استنتاجات مسبقة. ومع ذلك، فإن الاقتصار على القراءة القانونية البحتة قد لا يكون كافيا في قضية تتداخل فيها الأبعاد القانونية مع السياقات السياسية والدبلوماسية المحيطة بها، خاصة حين تكون اسرائيل طرفا فيها.
لذلك، يبقى من المشروع والواجب التعامل بحذر مع أي تطورات إجرائية، لأن الاحتلال دأب في كثير من المحطات على الرهان على عامل الوقت، سواء بهدف امتصاص حالة الغضب المتصاعدة في الرأي العام العالمي أو سعيا لتهيئة ظروف قد تفضي إلى تفاهمات أو تسويات سياسية. ومن ثم، فإن الاحتمال القانوني يظل قائما، لكنه لا يستوجب استبعاد احتمال وجود حسابات سياسية قد تستفيد من التأجيل، وهو ما يفرض قراءة متأنية للتطورات دون الجزم بأي من الاحتمالين قبل اتضاح المعطيات.
المركز القانوني للسلطة الفلسطينية في الدعوى
من المبادئ الأساسية المستقرة في النظام القضائي الدولي أن الدعوى القضائية لا يملك إدارتها إلا أطرافها المباشرون.
وفي الدعوى الراهنة، فإن الطرف المدعي هو دولة جنوب افريقيا، والطرف المدعى عليه هو “دولة اسرائيل”. أما السلطة الفلسطينية، أو حتى دولة فلسطين، فهي ليست طرفا مباشرا وأصيلا في الدعوى القضائية القائمة. وبالتالي، وحتى على فرض صحة المعلومات المتداولة بشأن تقديم طلب فلسطيني لتأجيل الدعوى أو سحبها، فإن مثل هذا الطلب لا يرتب أي أثر قانوني ملزم على دولة جنوب أفريقيا.
كما أن السلطة الفلسطينية لا تملك قانونا صلاحية إلزام المحكمة باتخاذ أي إجراء يتعلق بسير الدعوى، لأن المحكمة لا تتلقى الطلبات الإجرائية إلا من أطراف النزاع أنفسهم أو من الدول التي تتدخل وفق الشروط المحددة في نظامها الأساسي.
من يملك القرار النهائي في مستقبل الدعوى
من الناحية القانونية، هناك جهتان فقط تملكان التأثير المباشر في مصير الدعوى: الأولى هي جنوب أفريقيا بصفتها الدولة التي بادرت إلى إقامة الدعوى، وهي صاحبة الصفة الإجرائية في تحريك القضية أمام المحكمة، وما يرتبط بذلك من صلاحيات يقرها النظام الأساسي للمحكمة وقواعدها الإجرائية. أما الجهة الثانية فهي محكمة العدل الدولية نفسها، باعتبارها الهيئة القضائية الدولية المختصة حصريا بإدارة الدعوى والإشراف على إجراءاتها واتخاذ القرارات المتعلقة بسيرها، وصولا إلى الفصل فيها وفقا لأحكام القانون الدولي.
وبناء على ذلك، لا تملك أي جهة سياسية أو أي طرف ثالث، بما في ذلك السلطة الفلسطينية أو أي منظمة دولية أو دولة غير طرف في الدعوى، صلاحية قانونية لإجبار المحكمة على وقف الإجراءات أو إنهاء الدعوى أو تعديل نطاقها. فمثل هذه المسائل تخضع حصريا للإطار الإجرائي الذي يحكم عمل المحكمة، ولا تتأثر، من حيث الأصل، بالمواقف السياسية أو التفاهمات الدبلوماسية أو الضغوط الخارجية، إلا بالقدر الذي يسمح به القانون والإجراءات القضائية المعمول بها أمام المحكمة.
استنادا إلى الوقائع الثابتة والأحكام القانونية الناظمة للدعوى، لا يوجد حتى اللحظة أي دليل قانوني أو واقعي يثبت صحة الأخبار المتداولة بشأن تورط السلطة الفلسطينية في طلب تأجيل أو سحب الدعوى المقامة ضد إسرائيل. والثابت أن دولة جنوب أفريقيا هي التي طلبت تمديدا إجرائيا لإعداد ردها القانوني على الدفوع الإسرائيلية، وهو إجراء مشروع ومعتاد في المنازعات الدولية المعقدة.
ان التخوف الحقيقي، سياسيا وقانونيا، لا يتعلق بمسألة التأجيل الإجرائي، بل باستمرار الضغوط السياسية التي تمارسها الولايات المتحدة وإسرائيل للتأثير على البيئة السياسية المحيطة بالقضية، أو محاولة التأثير بصورة غير مباشرة على استقلالية القضاء الدولي.
غير أن حجم الدعم الدولي الواسع الذي حظيت به الدعوى، وعدد الدول التي أعلنت تأييدها للمسار القضائي الذي تقوده جنوب أفريقيا، والطبيعة الجسيمة للجرائم المرتكبة في قطاع غزة، تجعل من الصعب تصور انهيار هذا المسار القضائي في المدى المنظور.
5/7/2026

