حين تربي الشاشات أبناءنا
بقلم: رانية مرجية
تاريخ النشر: 04/07/26 | 10:27
ليست التكنولوجيا هي المشكلة… بل الفراغ الذي تركناه لها
لم يعد مشهد الطفل المنهمك في شاشة هاتفه أو جهازه اللوحي يثير الدهشة. فقد أصبحت الشاشات جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، ترافق الأطفال في البيت، والسيارة، والمطاعم، وحتى في اللقاءات العائلية. غير أن الاعتياد على هذا المشهد لا يعني أنه طبيعي، ولا أن نتائجه أقل خطورة. فالقضية لم تعد تتعلق بعدد الساعات التي يقضيها الطفل أمام الشاشة، بل بما يخسره خلال تلك الساعات من خبرات إنسانية لا يمكن لأي تطبيق رقمي أن يعوضها.
في كل مرة يُطرح فيها موضوع الإفراط في استخدام الشاشات، يتجه النقاش سريعًا إلى إدانة التكنولوجيا. لكن هذا التفسير، رغم شيوعه، يظل ناقصًا. فالتكنولوجيا لم تفرض نفسها على الأسرة بالقوة، بل دخلت إلى الفراغ الذي نشأ مع تغير أنماط الحياة. وعندما يتراجع الحوار داخل البيت، ويصبح الوقت المشترك بين أفراد الأسرة أكثر ندرة، وتختفي مساحات اللعب الحر والقراءة والأنشطة الجماعية، تصبح الشاشة البديل الأسهل، لا لأنها الأفضل، بل لأنها الوحيدة المتاحة.
لقد تغير المجتمع العربي داخل إسرائيل خلال العقود الأخيرة بصورة عميقة. ارتفعت مشاركة الوالدين في سوق العمل، وتسارعت وتيرة الحياة، وازدادت الضغوط الاقتصادية، وتقلصت المساحات العامة الآمنة التي كانت تسمح للأطفال باللعب والتفاعل. هذه التحولات ليست سلبية في ذاتها، لكنها فرضت أثمانًا اجتماعية لم تحظَ بالنقاش الكافي. ومن بين هذه الأثمان، تراجع الوقت الذي كانت الأسرة تخصصه للحوار، واللعب، والإنصات، وهي العناصر التي كانت تشكل البيئة الطبيعية لنمو الطفل.
ومن هنا، فإن الحديث عن “إدمان الشاشات” قد يقود أحيانًا إلى تبسيط المشكلة. فالطفل لا يستيقظ وفي داخله رغبة في الانعزال عن العالم، بل يبحث بطبيعته عن التفاعل، والاهتمام، والاستكشاف. وعندما يجد أن العالم الرقمي أكثر حضورًا من العالم الواقعي، وأكثر قدرة على جذب انتباهه، فإنه ينجذب إليه. ليست الشاشة هي التي هزمت الأسرة، بل الفراغ الذي وجدته أمامها.
ولا ينبغي أن يُفهم هذا الكلام على أنه دعوة إلى العودة إلى الماضي أو رفض التكنولوجيا. فالعالم الذي سيعيش فيه أطفال اليوم سيكون أكثر ارتباطًا بالتقنيات الرقمية، لا أقل. والتحدي الحقيقي ليس في منع الطفل من استخدام الشاشة، وإنما في تعليمه كيف يستخدمها دون أن تصبح هي التي تحدد إيقاع حياته، وتوجه اهتماماته، وتشكل نظرته إلى العالم.
إن الطفل يحتاج إلى التكنولوجيا، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى علاقة إنسانية مستقرة تمنحه الشعور بالأمان والانتماء. يحتاج إلى من يصغي إليه، ويشاركه اللعب، ويشجعه على طرح الأسئلة، ويمنحه فرصة لاكتشاف العالم خارج حدود الشاشة. فالطفولة لا تُبنى بالمشاهدة، بل بالتجربة؛ ولا تنمو الشخصية عبر التمرير المستمر على شاشة مضيئة، بل عبر الاحتكاك بالناس، والتعلم من الخطأ، واللعب، والحوار.
وتقع المسؤولية هنا على أكثر من طرف. فالأسرة هي الحاضنة الأولى، لكنها ليست وحدها. والمدرسة مطالبة بأن تربي على الثقافة الرقمية، لا أن تكتفي باستخدام الأجهزة في التعليم. كما أن السلطات المحلية والمؤسسات المجتمعية مطالبة بتوفير فضاءات آمنة للأطفال، وأنشطة ثقافية ورياضية تستعيد جزءًا من الحياة التي سحبتها الشاشات إلى العالم الافتراضي.
ولا يمكن تجاهل جانب آخر من المشكلة، وهو أن الأطفال يقلدون الكبار أكثر مما يستجيبون لنصائحهم. فالأسرة التي تقضي ساعات طويلة أمام الهواتف يصعب عليها إقناع طفلها بأن يقلل من استخدامها. ولهذا، فإن التربية الرقمية تبدأ من سلوك البالغين قبل أن تبدأ من التعليمات الموجهة إلى الصغار. إن القدوة ما زالت الوسيلة التربوية الأكثر تأثيرًا، حتى في عصر الذكاء الاصطناعي.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تتسلل بهدوء. فهي لا تحدث فجأة، ولا تترك أثرًا مباشرًا يمكن ملاحظته في يوم أو أسبوع، بل تعيد تشكيل علاقة الطفل بأسرته وبالعالم تدريجيًا. وكلما طال هذا التحول، أصبح استعادة التوازن أكثر صعوبة. لذلك، فإن التعامل معها يجب أن يكون وقائيًا، لا بعد أن تتحول إلى أزمة.
إن المجتمع الذي يريد إعداد جيل قادر على التفكير والإبداع لا يكفيه أن يوفر لأطفاله أحدث الأجهزة، بل يحتاج إلى أن يوفر لهم بيئة غنية بالحوار، والقراءة، واللعب، والفنون، والرياضة، والتجارب الإنسانية التي تصنع الشخصية. فالتكنولوجيا أداة، لكنها لا تستطيع أن تمنح الطفل ما تمنحه علاقة أسرية دافئة، أو معلم ملهم، أو صديق حقيقي.
في النهاية، ليست القضية أن ننتصر على الشاشات، فذلك غير ممكن ولا مطلوب. القضية أن نستعيد ما لا تستطيع أي شاشة أن تمنحه: الوقت، والإصغاء، والحضور الإنساني. فحين يشعر الطفل بأنه مسموع، ومفهوم، ومشارك في حياة أسرته، تصبح التكنولوجيا وسيلة من وسائل حياته، لا الحياة كلها.
وربما يكون السؤال الذي يستحق أن نطرحه اليوم ليس: كم ساعة يقضيها أطفالنا أمام الشاشات؟ بل: كم ساعة نقضيها نحن معهم، بعيدًا عنها؟

