الراحة بوصفها عودة الكائن إلى الله

رانية مرجية

تاريخ النشر: 30/06/26 | 12:12

قراءة تأويلية في متى 11: 28

«تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الْأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ.»
(متى 11: 28)
مقدمة

من أخطر الأخطاء في قراءة هذا النص أن يُفهم بوصفه وعدًا بالعزاء. فالتعزية ليست غايته، بل إحدى ثماره. أما غايته الحقيقية فهي إعادة تعريف الإنسان أمام الله. ليست القضية أن المسيح يخفف ألم المتعبين، بل أنه يكشف أن التعب الذي يحمله الإنسان ليس، في عمقه، مشكلة الإرادة أو الجسد، بل مشكلة الوجود نفسه.

إن الإنجيل لا يبدأ من سؤال: كيف يتوقف الإنسان عن الألم؟ بل من سؤال أكثر جذرية: لماذا صار الإنسان عاجزًا عن السكن في حياته؟

وهنا يبدأ اللاهوت.

أولًا: التعب بوصفه اغترابًا أنطولوجيًا

الإنسان لا يتعب فقط لأنه يعمل، أو يخسر، أو يمرض. هذه مظاهر التعب، لا علّته الأخيرة.

التعب، في الرؤية الإنجيلية، هو العلامة الوجودية على انفصال الإنسان عن مصدر حياته.

إن الخطيئة ليست، في جوهرها، مجرد تجاوز لوصية، بل اغتراب الكائن عن الشركة التي خُلق لها. ولهذا فإن الإنسان يحمل في داخله جوعًا لا تُشبعه الأشياء، لأن الأشياء لم تُخلق لتكون غاية القلب، بل علاماته.

من هنا نفهم لماذا يستطيع الإنسان أن يمتلك العالم كله، ويبقى فارغًا. فالفراغ ليس نقصًا في الممتلكات، بل نقصًا في الانتماء.

لقد أدرك أوغسطينوس هذه الحقيقة حين افتتح الاعترافات بقوله: «خلقتنا لك، وقلوبنا لا تهدأ حتى تستريح فيك.» ولم يكن يقصد اضطراب العاطفة، بل اغتراب الكينونة. فالقلب لا يضطرب لأنه فقد شيئًا، بل لأنه فقد اتجاهه.

ثانيًا: «تعالوا»… أولوية النعمة

لا يبدأ المسيح بطلب التغيير، بل بالدعوة إلى الاقتراب.

وهذا ليس ترتيبًا تربويًا، بل إعلانًا لاهوتيًا.

فالمبادرة، في الإنجيل، ليست من الإنسان إلى الله، بل من الله إلى الإنسان. إن النعمة تسبق التوبة، لا لأنها تلغيها، بل لأنها تجعلها ممكنة.

ولهذا فإن المسيحية ليست دينًا يقوم على اجتياز الإنسان المسافة إلى الله، بل على اكتشاف أن الله اجتاز المسافة أولًا.

إن «تعالوا» ليست حركة جغرافية، بل تحوّل في مركز الوجود: انتقال من الاتكال على الذات إلى الثقة بالنعمة.

ثالثًا: «إليَّ»… شخصانية الحقيقة

لو قال المسيح: «تعالوا إلى الحق»، لبقي الحق مفهومًا.

ولو قال: «تعالوا إلى الشريعة»، لبقي الخلاص نظامًا.

لكنه يقول: «تعالوا إليَّ.»

في هذه الكلمة ينهار كل اختزال للمسيحية إلى فلسفة أو أخلاق. فالحق، بحسب الإنجيل، ليس فكرة تُمتلك، بل شخص يهب نفسه. والخلاص ليس معرفةً تضاف إلى العقل، بل شركة تغيّر الكائن.

لهذا لا يمكن فهم الراحة إلا في إطار العلاقة. إنها ليست مكافأة يمنحها المسيح، بل ثمرة السكنى فيه.

رابعًا: الصليب وإعادة تعريف الراحة

لو كانت الراحة تعني غياب الألم، لما كان للصليب مكان في قلب الإيمان المسيحي.

لكن الصليب يكشف أن الله لم يخلّص الإنسان بإلغاء الجرح، بل بدخوله.

ومنذ التجسد لم يعد الألم برهانًا على غياب الله، بل صار المكان الذي يستطيع فيه الإنسان أن يختبر حضوره بطريقة لم يكن يعرفها من قبل.

ولهذا فإن القيامة لا تمحو الصليب، بل تكشف معناه.

إنها تعلن أن المحبة أقوى من الموت، وأن الشركة مع الله أقوى من كل أشكال الانكسار.

فالراحة ليست نقيض الألم.

بل نقيض العزلة.

خامسًا: الإنسان كائنٌ مخلوق للشركة

في عمق كل رغبة بشرية يسكن توقٌ لا تستطيع الأشياء أن تُشبعَه.

لا لأن العالم شرير، بل لأنه محدود.

أما الإنسان، فقد خُلق على صورة الله، ولذلك يحمل في داخله انفتاحًا على ما يتجاوز كل محدود.

ولهذا رأى غريغوريوس النيسي أن حياة الإنسان مع الله ليست وصولًا إلى نهاية، بل دخولًا دائمًا في عمق لا ينفد، لأن الله لا يُستنفد.

ورأى ماكسيموس المعترف أن الخلاص يبلغ ذروته في اشتراك الإنسان، بالنعمة، في حياة الله، لا بإلغاء إنسانيته، بل بتحقيقها.

وعندئذٍ تتبدل صورة الراحة نفسها.

إنها ليست توقف الحركة، بل تحرر الحركة من الضياع.

خاتمة: حين يعود الإنسان إلى موطنه

تكشف هذه الآية أن الإنسان لا يُشفى أولًا من ألمه، بل من اغترابه.

ولا يجد سلامه عندما ينجح في السيطرة على العالم، بل عندما يكفّ عن حمل وجوده باعتباره مشروعًا معلقًا على قوته.

إن المسيح لا يعد بعالم بلا دموع، بل بقلب لم تعد الدموع قادرة على أن تفصله عن الله.

ولهذا فإن أعظم ما تمنحه هذه الآية ليس الراحة، بل إعادة اكتشاف معنى الإنسان.

فالإنسان ليس كائنًا يبحث عن السعادة فحسب، ولا عن الطمأنينة، ولا حتى عن الحقيقة.

إنه كائن يبحث، في كل أشكال بحثه، عن الله، لأن الله ليس جوابًا يضاف إلى أسئلته، بل هو الأفق الذي يجعل وجوده كله مفهومًا.

ومن هنا، فإن العبارة الختامية: «وأنا أريحكم» لا تعني أن المسيح يمنح الإنسان استراحة من الحياة، بل تعني أنه يعيده إلى الحياة كما أرادها الله منذ البدء.

فالراحة، في النهاية، ليست حدثًا يقع للإنسان، بل طريقة جديدة للوجود؛ وجودٌ لا يقوم على وهم الاكتفاء بالذات، بل على يقين أن الكائن يجد حقيقته في الشركة مع خالقه.

وعند هذه النقطة، تتجاوز كلمات المسيح حدود التعزية، لتصبح إعلانًا عن ماهية الإنسان نفسها: إن القلب لا يهدأ لأنه وجد ما يكفيه، بل لأنه عاد إلى من خُلق له.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة