بينَ الدِّينِ والتَّطرُّف: عندما يُختَطَفُ النَّصُّ وتُغتالُ القِيَمُ

الباحث: د. رافع حلبي - دالية الكرمل

تاريخ النشر: 30/06/26 | 11:03

تأمُّلٌ فلسفيٌّ.
لعلَّ أخطرَ ما يُمكنُ أنْ يُصيبَ الفكرَ الدِّينيَّ ليس اختلافُ النَّاسِ في فهمِ النَّصِّ، فذلكَ سُنَّةٌ من سُننِ التَّفكيرِ الإنسانيِّ، وظاهرةٌ صاحبتْ جميعَ الحضاراتِ والمدارسِ الفكريَّةِ عبرَ التَّاريخِ، وإنَّما الخطرُ الحقيقيُّ يبدأُ حينَ يظنُّ بعضُ النَّاسِ أنَّ فهمَه للنَّصِّ هو النَّصُّ ذاتُه، وأنَّ تأويلَه يمثِّلُ الحقيقةَ المطلقةَ الَّتي لا يَأتيها الباطلُ، وأنَّ مخالفتَه ليست اختلافًا في الاجتهادِ، بل خروجٌ على الدِّينِ نفسِه، وعندئذٍ يغيبُ الحدُّ الفاصلُ بينَ كلامِ اللهِ سبحانهُ وتعالى، وكلامِ البشرِ، فيرتفعُ الاجتهادُ البَشَريُّ إلى مرتبةِ القداسةِ، وينخفضُ العقلُ إلى مرتبةِ التَّبعيَّةِ، ويتحوَّلُ الاختلافُ الَّذي أرادهُ اللهُ تعالى، مجالًا للتَّعارفِ والتَّكاملِ والإثراءِ الفكريِّ إلى سببٍ للتَّنازعِ والتَّكفيرِ والإقصاءِ، بل وربَّما إلى العنفِ وسفكِ الدِّماءِ باسمِ الحقيقةِ، غيرَ أنَّ الوحيَ الإلهيَّ لا يحتاجُ إلى من يمنحُه القداسةَ، لأنَّه مقدَّسٌ بذاتِه، وإنَّما يحتاجُ إلى عقولٍ حرَّةٍ، وقلوبٍ صادقةٍ، ونفوسٍ متواضعةٍ تُحسنُ قراءتَه، وتُدركُ أنَّ الحقيقةَ الإلهيَّةَ أوسعُ من أنْ تُختزلَ في فهمِ فردٍ، أو جماعةٍ، أو مذهبٍ، أو عصرٍ بعينِه، فالوحيُ ثابتٌ في مصدرِه، أمَّا فهمُ الإنسانِ له فمتجدِّدٌ بتجدُّدِ الزَّمانِ، واتِّساعِ المعرفةِ، وتنوُّعِ الخبرةِ الإنسانيَّةِ، ولذلكَ كانَ الاجتهادُ فضيلةً، لا لأنَّه معصومٌ من الخطأِ، بل لأنَّه اعترافٌ بأنَّ الإنسانَ لا يبلغُ كمالَ الحقيقةِ، وإنَّما يسعى إليها على قدرِ طاقتِه.

لعلَّ من أعمقِ الدُّروسِ الَّتي تُقدِّمُها الفلسفةُ الإنسانيَّةُ، كما تُؤكِّدُها التَّجربةُ الحضاريَّةُ، أنَّ المعرفةَ الحقيقيَّةَ تبدأُ من الاعترافِ بحدودِ المعرفةِ الإنسانيَّةِ، وأنَّ التَّواضعَ أمامَ الحقيقةِ ليس ضعفًا فكريًّا، بل هو أرقى درجاتِ النُّضجِ العقليِّ، فكلَّما ازدادَ الإنسانُ علمًا، ازدادَ إدراكًا لاتِّساعِ ما يجهلُه، ولذلكَ كانَ العلماءُ الكبارُ أكثرَ تواضعًا، لأنَّهم أدركوا أنَّ الحقيقةَ بحرٌ لا تنتهي آفاقُه، وأنَّ العقلَ مهما بلغَ من الرُّقيِّ، يبقى ساعيًا إلى المعرفةِ، لا مالكًا لها على وجهِ الكمالِ، ومن هنا، فإنَّ أزمةَ التَّطرُّفِ ليست في وجودِ النُّصوصِ، بل في طريقةِ التَّعاملِ معها، وليست في الدِّينِ، بل في ادِّعاءِ امتلاكِ الحقيقةِ باسمِ الدِّينِ، فليست الحضاراتُ الَّتي تسقطُ هي الَّتي تُخطئُ في تأويلِ نصوصِها فحسب، بل الَّتي تُحوِّلُ تأويلاتِ البشرِ إلى نصوصٍ مقدَّسةٍ لا يجوزُ نقدُها أو مراجعتُها، لأنَّ جمودَ الفكرِ يبدأُ حينَ يتوقَّفُ العقلُ عن مساءلةِ نفسِه، لا حينَ يتوقَّفُ عن مساءلةِ الآخرينَ، وكلُّ حضارةٍ تُغلقُ بابَ الاجتهادِ، وتُؤلِّهُ آراءَ البشرِ، إنَّما تزرعُ في داخلِها بذورَ أفولِها، وإنْ امتلكتْ أسبابَ القوَّةِ المادِّيَّةِ، ولذلكَ، فإنَّ مستقبلَ الخطابِ الدِّينيِّ لنْ يُبنى على الصِّراعِ بينَ الماضي والحاضرِ، ولا على المفاضلةِ بينَ العقلِ والوحيِ، وإنَّما على إعادةِ التَّوازنِ بينَهما، بحيثُ يبقى الوحيُ نورًا يهدي العقلَ، ويبقى العقلُ أداةً لفهمِ مقاصدِ الوحيِ، ويظلُّ الإنسانُ مسؤولًا عن أنْ يجعلَ من الدِّينِ سبيلًا إلى بناءِ الإنسانِ، لا إلى هدمِه، ومن الإيمانِ جسرًا للرَّحمةِ، لا ذريعةً للعنفِ، ومن الاختلافِ مصدرًا للحكمةِ، لا بابًا للتَّنازعِ والشِّقاقِ.

هكذا يبقى الاختلافُ ـ إذا أُحسنَ فهمُه ـ قانونًا من قوانينِ العمرانِ الإنسانيِّ، لا لعنةً تُبرِّرُ الصِّراعَ، ولا ذريعةً لاحتكارِ الحقيقةِ، بل مجالًا تتجلَّى فيه حكمةُ اللهِ تعالى، في تنوُّعِ العقولِ، وتباينِ المداركِ، وتكاملِ الخبراتِ، فالحضاراتُ لا تُقاسُ بما تمتلكُه من قوَّةٍ أو ثروةٍ، بقدرِ ما تُقاسُ بقدرتِها على صونِ قداسةِ الوحيِ، مع صيانةِ حرِّيَّةِ العقلِ في البحثِ عن الفهمِ الرَّشيدِ، لأنَّ اجتماعَ الإيمانِ الصَّادقِ مع العقلِ النَّاقدِ هو الَّذي يُنشئُ الإنسانَ الحرَّ، ويُقيمُ المجتمعَ العادلَ، ويصنعُ الحضارةَ الَّتي تُكرِّمُ الإنسانَ، وبهذا النَّهجِ نبني ونُنشئُ الإنسانَ الرَّاقي، الَّذي يُدركُ أنَّ رسالتَه في هذهِ الحياةِ هي أنْ ينسجمَ مع القوانينِ الكونيَّةِ للطَّبيعة الَّتي أودعها اللهُ تعالى في خَلقِه، وأنْ يلتزمَ بتعاليمِه الإلهيَّةِ، وأنْ يعملَ على إقامةِ العدلِ، وصيانةِ الكرامةِ الإنسانيَّةِ، ونشرِ الرَّحمةِ والخيرِ في الأرضِ، حتَّى يأتيَ وعدُ اللهِ تعالى، وتقومَ السَّاعةُ الَّتي لا ريبَ فيها.

لعلَّ أعظمَ صورِ الإيمانِ ليست أنْ يمتلكَ الإنسانُ جميعَ الأجوبةِ، بل أنْ يمتلكَ من التَّواضعِ ما يجعلهُ يواصلُ البحثَ عنها، وهو يعلمُ أنَّ الحقيقةَ المطلقة للهِ سبحانه تعالى وحدَه، وأنَّ الإنسانَ لا يملكُ إلَّا أنْ يجتهدَ في الاقترابِ منها بما آتاهُ اللهُ تعالى، من عقلٍ، وعلمٍ، وبصيرةٍ، وأنَّ رسالاتِ السَّماءِ إنَّما جاءتْ لتُحرِّرَ الإنسانَ من عبوديَّةِ الإنسانِ، لا لتجعلَ بعضَ البشرِ أوصياءَ على ضمائرِ البشرِ.

قالَ اللهُ تعالى:

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [سورة هود: 118].

تاريخ البحث: 26.6.2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة