موسى عزوڨ يحكي في ظلال الحريق 1975 بونصر زمورة
تاريخ النشر: 29/06/26 | 9:07
الوعي العاري ورماد الصناديق في زمورة
أولاً: صبيحة الخميس.. حين تكلمت الصناديق المضاعة
لم تكن شمس ذلك الخميس عادية في برج زمورة؛ كان الهواء مشحوناً برغبة جارفة في الانعتاق والقطيعة مع عهد هرمٍ جثم على الصدور طويلاً بالتلاعب والمماطلة. وقف شباب البلدة “قلباً ورباً”، يحرسون حلمهم المتمثل في ذلك الفتى الشاب الفتيّ الذي علقوا عليه الآمال، وكانت كل المؤشرات الميدانية تزف بشرى الفوز الخالص، حتى بدت النتيجة راسخة في الصدور قبل الأوراق.
لكن دهاليز الإدارة كانت تخبئ فصلاً آخر؛ وفجأة، أطلت من بعيد شاحنة البلدية قادمة من القرى المجاورة، محملة بـ **”الصناديق المضاعفة”**. انقلبت الحقيقة في لحظة، وأعلنت النتيجة المعهودة في زمن المرشح الواحد: سقط الفتى الشاب، وفاز الرئيس القديم بنسبة 99.99\%! لقد رتبت اللعبة لتبدأ لغة فرض الأمر الواقع: *”أحب من أحب وكره من كره”*.
خرج رئيس البلدية “السابق الحالي” صبيحة ذلك اليوم، وبدل أن يهدئ النفوس، أشار بيده إلى الجموع المتجمهرة بطريقة مستفزة وغير لائقة، فكانت تلك الإشارة هي الشرارة الفورية التي فجرت خزان الغضب النفسي المكبوت.
ثانياً: فيزيائية النار.. الرمز الذي تحول إلى إعصار
لم يكن في نية الشباب تفجير المكان، بل كان الغرض توجيه رسالة تخويف وتنديد للإدارة عبر إشعال مخلفات الأوراق والسجلات التي زورت إرادتهم. لكن جغرافيا المكان كانت تضمر كارثة غير متوقعة؛ فالمقر المحترق المعروف بـ **”المركز”** في تلة **”بونصر”**، كان في الأصل ثكنة ومقراً لـ “المكتب الثاني” للاستدمار الفرنسي، مكاناً مشبعاً بآهات الثوار والدموع.
بدأ رمي المقر بالحجارة إثر استفزاز الحارس وجفائه: «أمشيو تروحوا أيا خلاص كلش»، وتطورت المناوشات إلى إشعال النار، لتدخل “فيزيائية المكان” لتغير مجرى التاريخ؛ حيث تسبب وجود قارورات الغاز ومستودع البنزين والمازوت في اندلاع **حريق مهول** مدوٍ صم الآذان، وتصاعدت ألسنة لهب جبارة حوّلت المكان إلى رماد، واختلطت سحب الدخان بصراخ الشباب الرافض لفرض الأسماء. وفي غمرة الفوضى، فرض العسكر تواصداً مكثفاً وحلقت الطائرات الحوامة كغربان نذيرة فوق سماء البلدة.
تحركت آلة الوشايات سريعاً، ورفعت تقارير كاذبة ومغرضة إلى الرئيس بومدين تزعم أن “الزمامرة أحرقوا العلم الوطني ورفعوا العلم الفرنسي!”، وكادت البلدة أن تمسح من الخارطة لولا تدخل بعض أهل الخير الذين كشفوا للرئيس أن هذا “كذب بواح”؛ فالراية الوطنية كانت ترفرف فوق الرؤوس، أما “علم فرنسا” المزعوم فلم يكن سوى قماش أزرق قديم سُدت به مدخنة إحدى البيوت المجاورة التي كانت للمفارقة… بيت “الڨايد” سابقاً!
ثالثاً: صراع الإرادات.. مواجهة المنبر للبيروقراطية
في اليوم الموالي، وكان يوم جمعة، وامام جامع بوحيدوس؛ صرح الامام ، ذلك المقدام المفوه ذو الصوت الجهوري والغنّة المميزة التي تزيد نبرته لحناً وهيبة، بكلمات زلزلت النفوس: التحقوا بإخوانكم، فإنهم ظلموهم، وإن الظلم ظلمات يوم القيامة…”.
انطلقت الجموع وتقدمهم الشيخ متجهاً نحو هضبة بونصر، حيث كان الاجتماع المشهود مع السلطات التي حضرت بكل ثقلها، وكان الناطق باسمها والمحافظ غوجيل الأعلى رتبة آنذاك؛ رجل الحزب العتيد القادم من سطيف، ذلك المسؤول الذي استمر يترقى في دهاليز الدولة لعقود حتى صار رئيساً لمجلس الأمة ورفض التخلي عن كرسيه قائلاً: نا الرئيس وسأبقى كذلك!”
بدأ الاجتماع بعد منتصف النهار واستمر إلى العصر، حيث استغرق الحدث عقل الشيخ فلم يصلّ الجمعة ناسياً، وهو الأمر الذي استغله المحافظ استغلالاً فاحشاً في جداله وتقاريره. وجه المحافظ تهم الخيانة العظمى الجاهزة، وأطلق كلمته البيروقراطية الشهيرة: ” علام فرنسا معلق، وبلدية تحرقت، والجمعة راحت.. هزيتو المنجل وحشيتوا ركايبكم!”.
حاول المحافظ تثبيت هيبة الدولة بقرار عدمي، بل وتجرأ على تشبيه رئيس البلدية بالرسول في هجرته: *”أنتم ثرتم على مسعود ونحن نثبت مسعود! والرسول أخرجوه من مكة وراح للمدينة، وحنا سيدنا المسعود كي ما قبلتوهش هو لي نقلبوه ونثبتوه”*. وفعلاً، ثبتت الدولة رئيسها ولم يتغير الوضع إلا عام 1979 حين وُجهت لمسعود تهم فساد، ليخلفه نائبه الشاب مبروك. هناك من يزعم ان الدولة لا تغير تحت مثل هذا الضغط حتى لا تكون سابقة ! وهو ما أكدته فعلا تجارب لاحقة
رابعاً: خلف القضبان.. فظاعة التحقيق وكوميديا السجن السوداء
توزع المعتقلون الـ14 بين سجني ولايتين بتهم ثقيلة كالتخريب ومحاولة قلب نظام الحكم، دون اعتبارهم سجناء رأي. وفي أقبية التحقيق، تفتقت أساليب المحققين مع كوميديا سوداء فريدة من هم يبكي وهم يضحك :
– حيث حكاية الموسطاش وهول القبو: كان المجاهد “أبو شنب” (الموسطاش) أول الداخلين لغرفة قاضي التحقيق، حيث كان عسكري يقف وراء الباب ليضرب المتهم فور دخوله حتى يقر بما يملى عليه. انتظر الباقون خروجه ليعرفوا ما ينتظرهم، فخرج بعبارة تختصر الأهوال: “أدخل وستقرأ خالقك!”، فزاد الطين بلة.
– وصية خالتي زينب: أوصت خالتي زينب ابنها خالد بأن ينكر كل شيء. لكن خالد ، بعد الصفعة الأولى، ثم باغتته المحقق بالطريقة الذكية المعهودة فسأله بلطف: *”عندما سمعت الانفجار هل هربت؟”* فشرعت العفوية في جوابه: *”ومن لا يهرب؟”*. ولاحقاً، حين عاتبته أمه لعدم العمل بوصيتها، قال جملته التاريخية: **«لاه قراو العما!؟»** (هل تظنين القاضي غبياً؟ إن هذا تخصصهم)، ليمكث في السجن سنة ونيف.
– صرامة الإمام: تقدم الشيخ ليكون مدافعاً عن المجموعة، لكن صرامته الثورية تغلبت على لباقة المحاماة؛ فلم يكرر جملة “سيدي القاضي” المعهودة، وجابه المحققين بقوة. وحين اتهمه أحدهم بالتحريض بناءً على شهادة واهية، رد الشيخ بتهكم لاذع: **”أنا حرضتك يا سارق الدكاكين؟! أنا حرضتك يا سارق البحاير؟! وكأن السارق لا يُحرض!”**. وعند النطق بالحكم بسنة سجن نافذة، أطلق قذيفته: **”اليوم تحكم أنت، وغداً يحكم الجبار (أحكم الحاكمين)”**، لتبقى هذه الكلمة تطارد القاضي في منامه لدرجة قدومه اليومي للبلدة وشريه ماء عين السويڨة ومحاولات طلب الغفران والصفح من الشيخ دون جدوى ( حسب روايات متواترة ).
– الراعي البريء وفندق المساجين:في غمرة البحث عن “المحرض الرئيسي”، أراد بعض الشباب التسلية لتخفيف وطأة الرعب، فاتفقوا على تداول اسم **”راعي غنم القرية”**، ذلك الرجل البسيط القصير القامة والأحمر الوجه الذي كان يعيش خارج نطاق العالم كلياً في شظف عيشه. حوصر كُوخه بالشاحنات العسكرية، ووقف أمامهم يسألهم بعفوية الفلاح: *”عن من تبحثون؟”* فقال الضابط: *”نبحث عن بيت قدور”* فأشار بيديه الخشنتين إلى بيته دون أن يعلم أنه هو المقصود! اقتيد إلى السجن بناءً على تعاضد الشهادات ضده، ولأنه كان يسمع أن السجن مجاعة، سأل الشيخ بعد شهرين كاملين في الزنزانة ببراءة مضحكة: **”متى يأخذوننا إلى السجن؟”**، ظناً منه أن هذا المكان الذي يأكل فيه وينام هو “فندق” مؤقت! وظلت نادرة الدجاجة المشوية التي استلمها خفية وتظاهر بالنوم ليأكلها بنهم («يهرڨم») وحده متلذذاً بـ («ترم ريم») انتقاماً من مكيدة أصحابه، من طرائف السجن التي خلدتها مجالس البلدية.
خامساً: مآلات الحقيقة وحكمة الأجيال الصامتة
انتهت المحكومية وعاد المساجين إلى ديارهم واستقبلوا كأبطال تمردوا على الإكراه، وعاد الراعي إلى قطيعه يملأ رئتيه برائحة الشيح والخزامى، ومات فقيراً في مرعاه تاركاً ذرية صالحة من أهل الهمة والشهادات الجامعية. اما الشيخ الامام فقد عمل في عدة مساجد في الوطن من المهدية وعين أزال وبرج بوعريريج وترك اثرا طيبا . وهناك من الشباب من تحصل على البكالوريا في السجن .
لكن على الصعيد السياسي، سارت الأمور في خط دائري مخيب للآمال؛ وجد الشباب أنفسهم أمام المفارقة المرة: من ثاروا ضده بقي حاكماً مدعوماً بهبة الدولة، ومن ثاروا من أجله نائبا ، بينما خرج الشباب من التجربة بعبارة شعبية تلخص الخيبة: «وهم فقط من ريح العيب»!
لقد ورثت الأجيال في برج زمورة من هذه الحادثة حكمة صامتة وعميقة؛ ولهذا، لا تلم أحداً اليوم إن آثر الصمت ولم يثر، فالتاريخ المحلي القريب يمنحهم تجربة حية بأن السجن والعذاب غالباً ما يكونان من نصيب البسطاء والضعفاء.
زمورة في 14 محرم 1447 موافق 29 جوان 2026








