قصة “الكيس الأسود”
منقول
تاريخ النشر: 29/06/26 | 8:29
يقول صاحب القصة: كنت اعمل منذ سنوات طويلة عامل نظافة في أحد أحياء بغداد الراقية، كنا ستة عمّال نخرج كل صباح بسيارة جمع القمامة والتي نفرغها من الحاويات الموضوعة أمام البيوت، كان العمل شاقًا والرائحة الكريهة متعبة، والناس تمر من حولنا وكأننا غير موجودين، لا أحد يعبأ لوجودنا، لكنني كنت أقول دائمًا إن اللقمة الحلال مهما كانت متعبة أفضل من سؤال الناس.
في صباحٍ أحد الأيام، وفي يوم لن أنساه ما حييت، توقفت أمام إحدى حاويات القمامة بعدما رأيت مشهدًا هزّ قلبي.
كانت هناك امرأة تقف بجوار الحاوية تفتش بيديها المرتجفتين في بقايا الطعام، وخلفها سبعة أطفال (أربعة أولاد وثلاث بنات) وجوههم شاحبة وعيونهم معلقة بأمهم، كأنهم ينتظرون معجزة صغيرة تخرج من بين القمامة، تجمّدت في مكاني لم أرد أن أقترب منهم حتى لا أحرجها، ولم أرد أن يراها أحد من زملائي فيكسر ما تبقى من كرامتها بنظرة أو كلمة.
وقفت بعيدًا أراقبها ودموعي تحرق عيني،
كانت تلتقط قطع الخبز اليابسة، وبقايا الخضار والطعام الملفوف في الورق ثم تنظر حولها بخوف كأن الفقر خطية يجب أن تخفيها عن العالم، وعندما انتهت، أمسكت بأيدي أطفالها ومشت بسرعة كأنها تهرب من نظرات الناس أكثر مما تهرب من رائحة القمامة الكريهة.
اقتربت بعدها من الحاوية وشعرت أن قلبي انكسر.
فأنا أب وأعرف معنى أن ينظر الطفل إلى أمه وهو جائع.
في اليوم التالي عدنا إلى الحي نفسه، فنزلت من سيارة القمامه مسرعًا نحو تلك السلة قبل أن يصل إليها أحد.
ووجدتها هناك مرة اخرى
نفس المرأة.
نفس الأطفال.
نفس الجوع الصامت.
وفي تلك اللحظة، شعرت أن الله سبحانه يهمس في قلبي أن كما رزقتك فافعل ما تستطيع وتتمكن،
فعُدت إلى بيتي، وقلت لزوجتي:
حضّري لي غدًا طعامًا كثيرًا لأي أمّ تبحث عن لقمة لأولادها بين القمامة.
صمتت زوجتي لحظة ثم دخلت المطبخ.
وفي الصباح أعطتني كيسًا أسود مليئًا بالطعام النظيف والخبز، ووضعتُ أنا بداخله مبلغًا صغيرًا من المال وعلى قدر استطاعتي وما أمكنني.
وصلت إلى الحي مبكرًا وقبل ان يصل زملائي ووضعت الكيس بجانب تلك الحاوية التي اعتادت المرأة أن تفتش فيها عن بقايا الطعام، ثم اختبأت بعيدًا لكي لاتراني أراقب، وبعد دقائق جاءت المرأة مع أطفالها وبدأت تفتش كعادتها، وعندما وجدت الكيس فتحته بحذر وما إن رأت الطعام النظيف حتى توقفت ورفعت يدها في الهواء، ثم ضمّت الكيس إلى صدرها، وبدأت تبكي بصمت
أما الأطفال فقد كانت نظراتهم للطعام وكأن السماء فتحت أبوابها لهم.
في ذلك اليوم لم تأخذ شيئًا من الحاوية وغادرت هي واطفالها مسرعين لكي لايراهم أحد.
ومنذ ذلك الصباح صار الكيس الأسود رسالتي اليومية إليها.
كنت أضع الطعام والمال في المكان نفسه كل يوم، دون أن تعرف من أنا، ودون أن أعرف حتى اسمها.
كنت أراها من بعيد، وأشعر أن الله يسمح لي أن أكون سبب رحمة صغيرة لعائلة مسحوقة.
ومع مرور الشهور بدأ الخير يأتيني من فضل الله عز وجل، فقد ترقيت في وظيفتي من عامل إلى مراقب عمل، وبعدها مسؤول قسم، وفاضت بركات الله سبحانه وتعالى في بيتي من حيث لا أدري لي ولزوجتي ولأولادي. وبالرغم من كوني لم أعد عامل نظافة استمريت كعادتي أخرج صباحًا ومبكرًا وقبل ذهابي الى مقر عملي في القسم البلدي، ومعي الكيس الأسود وبداخله ماقسمه الله من طعام ومال.
وبمرور الأيام بدأت ألاحظ أن الأطفال لم يعودوا يأتون مع أمهم ففرحت، وقلت ربما عادوا إلى المدرسة، وربما لم تعد تريد لهم أن يروا أمهم عند سلة القمامة.
واستمر الأمر سنوات حتى بعد تقاعدي من الوظيفة لم أتوقف عما اعتدت عليه، يوميًا كنت أذهب بنفسي كل صباح، أضع الكيس وأختبئ بعيدًا، لأن ذلك العمل صار أجمل ما أفعله في حياتي، وخاصة أن الله تبارك وتعالى بارك لي في كل شيء في حياتي، وبأمور لم تخطر ببالي، والحمد لله. واستمريت بما أقوم به يوميًا ولأكثر من ١٨سنة دون توقف.
لكن ذات يوم لم تأتِ المرأة.
مرّ يوم، ثم أسبوع كامل.
والكيس يبقى مكانه كما هو،
شعرت بخوف شديد في قلبي.
وبعد بحث طويل دلّني أحد سكان الحي على مكان فيه شبه بيت يقع في إحدى المناطق السكنية المنسية القريبة بعض الشيء من ذلك الحي الراقي،
طرقت الباب،
فتح لي شاب في أوائل العشرينات نظيف الهيئة، هادئ الملامح.
قلت له: هل تسكن هنا أم خالد؟
تغيّر وجهه فجأة وقال:
وهل تعرف أمي؟
قلت بصوت مرتجف:
كنت أساعدها من بعيد.
فقال لي الشاب أدخل ياعم، ودخلت ذلك المكان الذي هو قصر بالنسبة لهؤلاء، وهناك رأيت صورتها معلقة على الجدار يحيطها شريط أسود.
فهمت قبل أن يتكلم قال الشاب بحزن:
(أمي توفيت منذ شهرين)
جلست وأنا أبكي كطفل.
ثم قال: قبل أن تموت، كانت دائمًا تتحدث عن رجل لا تعرفه كان يضع لها الطعام والمال في كيس أسود وكانت تقول لنا:
هذا ملاك أرسله الله لأولادي، بعدها جاءت فتاة صغيرة تحمل صندوقًا قديمًا وقالت: أمي تركت هذا للرجل صاحب الكيس الأسود.
فتحت الصندوق فوجدت بداخله صورة قديمة للأطفال كما كنت أشاهدهم في تلك الأيام والسنين التي مرت وبعض العملات المعدنية ورسالة مطوية وكان مكتوبًا فيها:
(إلى الرجل الذي حفظ كرامتي قبل أن يطعم أطفالي أنا لا أعرف اسمك لكن الله يعرفك.
كنت أبحث في القمامة وأنا ميتة من الخجل فجعلتني أعود إلى بيتي وكأنني اشتريت الطعام بيدي أنت لم تُشبع جوع أولادي فقط بل حفظت قلوبهم من الانكسار سامحني لأنني لم أشكرك في حياتي واذكرني في صلاتك بعد موتي.)
لم أستطع إكمال الرسالة من شدة البكاء، لكن المفاجأة الأكبر كانت عندما أمسك الشاب بيدي وقال:
(يا عمي المال الذي كنت تعطيه لأمي جعلنا نكمل تعليمنا أنا أصبحت معلّمًا وأختي ممرضة وأخي مهندسًا، وكلنا كبرنا ونحن نسمع أمي تقول:
لا تنسوا صاحب الكيس الأسود!!
حينها فقط فهمت أن الرحمة الصغيرة التي تُصنع بمحبة، قد تغيّر مصير عائلة كاملة.
خرجت من بيتهم يومها وأنا إنسان آخر.
لم أكن غنيًا ولا صاحب منصب، ولا أملك شيئًا عظيمًا، لكنني تعلّمت أن رضا الله عز وجل لا يحتاج إلى أيدٍ ممتلئة مالًا فقط، بل إلى قلوب ممتلئة حبًا، ومنذ ذلك اليوم، كلما رأيت سلة قمامة، لا أرى قمامة، بل أرى أمًّا كانت تبحث عن الحياة لأطفالها وأقول في نفسي:
“ربما لا يستطيع الإنسان أن يغيّر العالم كله لكنّه يستطيع أن يكون نورًا صغيرًا في عتمة شخص واحد.
فالرحمة التي تُقدَّم في الخفاء يراها الله عزوجل و يفرح بها.
ومن يحفظ كرامة إنسان، كأنه لمس نور الله العظيم برحمته.
منقول


