هل يمكن تصميم الإنتماء بترميم منتزه البير في كفرقرع
رانية عقل
تاريخ النشر: 28/06/26 | 14:09
بدأت الجرافات عملها في منتزه البير.
وصل الخبر، لكن أول ما عاد إلى ذاكرتي لم يكن صوت الهدم، وإنما صوت إزميل يلامس الحجر، وضحكات أطفال يركضون بين المنحوتات، ورائحة قهوة تحملها إحدى الجدات إلى فنان جاء من مدينة بعيدة، وجلس يعمل تحت شجرة في قلب المنتزه.
هل يمكن تصميم الانتماء؟
نحن نسأل عادة عن مساحة المنتزه، وعدد الأشجار، وشكل المقاعد، ونختلف حول الإضاءة والنوافير، لكننا نادرًا ما نسأل إن كان المكان الجديد سيمنح الناس ما منحه لهم المكان القديم، أو إن كان سيترك لهم متسعًا ليصنعوا فيه ذكرياتهم.
أعود بذاكرتي إلى أواخر المرحلة الابتدائية. يومها حضرت، بمبادرة من جمعية الزهراوي، أول لقاء جمعني بكتاب وفنانين. لم أفهم كل ما قيل، لكنني خرجت وأنا أحمل دهشة جديدة. للمرة الأولى رأيت أن الفن ليس حكرًا على المدن البعيدة أو قاعات العرض، وإنما تجربة يمكن أن تلامس الحياة اليومية.
لم أكن أعرف أن تلك الساعات سترافقني سنوات طويلة، وأنها ستكون أحد الأسباب التي أعادتني، بعد أعوام، إلى منتزه البير. هناك أردت أن أفتح الباب نفسه الذي فُتح لي وأنا طفلة، وأن أجعل الفن قريبًا من الناس، لا معروضًا أمامهم فقط.
في صيف عام ٢٠٠٣، عاشت كفر قرع مهرجان “حوش بردك”. توزعت الورشات والأنشطة في أكثر من محطة، لكن منتزه البير كان قلب المهرجان النابض. منذ ساعات الصباح الأولى وحتى المساء، لم يكن الناس يأتون لمشاهدة أعمال فنية اكتملت، وإنما ليشهدوا كيف تولد.
كان فريد أبو شقرا ينحت أمام الناس، بينما كان حسن خاطر يحرر شكلًا جديدًا من كتلة الحجر. وعلى مقربة منهما، كان نابويا دي مابوتشي يحيط وردته بوجوه أطفال كفر قرع، وكان إيليا بعيني يخرج من الحجر قرعة كبيرة بدت وكأنها تنتمي إلى المكان منذ زمن.
ولم تكن المنحوتات وحدها تتشكل.
خرجت الجرار من بيوت كفر قرع، وتركت كل عائلة بصمتها عليها قبل أن تعود فتلتف حول البئر. وصنع الطلاب قطع الفسيفساء بأيديهم، من الطين إلى الألوان ثم إلى الأفران، قبل أن تستقر على الجدار. كان الأطفال يعودون كل صباح ليروا ما الذي تغير في الحجر، وكانت الجدات يحملن القهوة للفنانين، ويتحول الحديث عن منحوتة إلى حديث عن القرية، والناس، والذاكرة.
كتبت الصحف عن المهرجان، لكن ما بقي فعلًا لم يكن ما نشرته الصحف، وإنما ما بقي في ذاكرة من عاشوا تلك الأيام.
وبعد أربعة عشر عامًا، عاد منتزه البير ليحتضن مهرجان “من البخيس إلى النفيس”. هذه المرة، لم يعد الحجر نقطة البداية. تحولت مخلفات البناء والمعادن وعجلات الدراجات إلى أعمال فنية، وعادت الأسئلة نفسها لتطرح بلغة جديدة. رأى الناس حياة نهاد ضبيط يحول بقايا المواد إلى عمل يستلهم الوادي، وكانت الطائرات الورقية ترتفع مع الأطفال كل مساء. وأعاد أحمد كنعان الحياة إلى مخلفات البناء بالفسيفساء، بينما تعامل جمال حسن مع الخرسانة كما لو أنها قطعة أثرية، وفتح يورام أفاكي مع الطلاب حوارًا بدأ بالنفايات وانتهى بثقافة الاستهلاك.
لكن المهرجانات لم تكن سوى فصل من حكاية أطول.
فلسنوات، ظل منتزه البير واحدًا من الأماكن القليلة في كفر قرع التي بقيت متاحة للمبادرات الفردية والمجتمعية. كم من ورشة، ولقاء، وتجربة، وجدت مكانها تحت أشجاره دون تعقيد أو بيروقراطية. شعر شباب “الراية” أن العناية به مسؤوليتهم، واختارته نور قربي لورشاتها، لأن المكان لم يكن يفرض على الناس كيف يستخدمونه، وإنما كان يترك لهم الحرية ليصنعوا فيه شيئًا. كان، بالنسبة إلى كثيرين، مكانًا لا يحتاج إلى تأشيرة للدخول إلى الحياة.
لهذا، وأنا أتابع أعمال الترميم، لا يشغلني إن كانت النوافير ستكون أجمل، أو الممرات أوسع، أو المقاعد أكثر حداثة.
يشغلني سؤال آخر.
ليس كيف سيبدو منتزه البير بعد انتهاء الترميم.
وإنما كيف سيُعاش.
هل يمكن تصميم الانتماء؟
وهل تستطيع الرسومات الهندسية أن تترك متسعًا لذاكرة لم تُكتب بعد؟
هل يمكن لمخطط أن يعرف أين سيقف طفل يراقب فنانًا يعمل للمرة الأولى، أو أي ظل ستختاره مجموعة شباب لتبدأ منه مبادرة، أو أي شجرة ستجذب الطيور والفراشات، فتدعو طفلًا إلى أن يرفع رأسه ويتأملها؟
وكيف سنعرف، بعد عشرين عامًا، أن هذا المشروع نجح؟
هل سنقيسه بجمال النوافير، واتساع الممرات، وأناقة المقاعد؟
أم بعدد الحكايات التي وُلدت فيه، وبعدد المبادرات التي بدأت من تحت أشجاره، وبعدد الأطفال الذين سيكبرون وهم يحملون لهذا المكان ذاكرة جديدة؟
ربما يكون المنتزه الجديد أجمل من السابق، وهذا أمر يستحق الفرح.
لكن ثمة أشياء لا تُرسم على المخططات.
لا تُرسم لحظة يقف فيها طفل طويلًا أمام فنان يعمل.
ولا تُرسم مبادرة تبدأ تحت ظل شجرة.
ولا تُرسم ذاكرة تتشكل، عامًا بعد عام، بين الناس والمكان.
هذه يكتبها الناس وحدهم.
وربما، بعد عشرين عامًا، لن يكون السؤال إن كان المشروع قد نجح هندسيًا، وإنما إن كان منتزه البير قد استطاع، مرة أخرى، أن يمنح جيلًا جديدًا مكانًا يكتب فيه حكايته، كما منح الأجيال التي سبقته.








