سهير منير… امرأة جعلت من العلم رسالة ومن الصحة ثقافة حياة
بقلم: رانية مرجية
تاريخ النشر: 25/06/26 | 8:24
من يافا واللد إلى واحة السلام، ومن العلم إلى الإنسان، نسجت سهير منير مسيرةً استثنائية جعلت من التغذية رسالة حياة، ومن الوعي الصحي مشروعًا إنسانيًا يتجاوز حدود المهنة ليصل إلى عمق المجتمع.
في حياة كل مجتمع شخصيات لا يُقاس حضورها بعدد المناصب التي شغلتها، ولا بعدد السنوات التي أمضتها في العمل، بل بحجم الأثر الذي تتركه في نفوس الناس. شخصيات تعبر الزمن بهدوء، لكنها تترك وراءها بصمة لا تمحوها الأيام، لأنها بنت مكانتها على المعرفة والصدق والالتزام والمسؤولية. ومن بين هذه الشخصيات تبرز أخصائية التغذية سهير منير، التي استطاعت على مدار سنوات طويلة أن تتحول إلى عنوان للثقة والوعي والإنسانية.
سهير منير ليست ابنة اختصاصها فحسب، بل ابنة المكان والذاكرة والهوية. فهي تحمل في وجدانها إرث مدينتين فلسطينيتين عريقتين؛ يافا واللد، بكل ما تختزنانه من تاريخ وثقافة وحكايات صمود وانتماء. ومن هذا الامتداد الإنساني والوطني تبلورت شخصيتها، فجمعت بين الأصالة والانفتاح، وبين الاعتزاز بالجذور والإيمان العميق بقيم الإنسان أينما كان.
ولم تكن إقامتها في واحة السلام مجرد اختيار لمكان السكن، بل تعبيرًا صادقًا عن رؤية حياتية تؤمن بالحوار والتفاهم والتعايش القائم على الاحترام المتبادل. ففي هذا الفضاء الإنساني الفريد، الذي يلتقي فيه التنوع الثقافي مع القيم المشتركة، وجدت سهير منير بيئة تنسجم مع رسالتها المهنية والإنسانية، القائمة على مدّ الجسور بين الناس، وتعزيز الوعي، وترسيخ مفهوم الصحة بوصفها جزءًا من جودة الحياة وكرامة الإنسان.
في زمن أصبحت فيه المعلومة سلعة، وتكاثرت فيه الوصفات السريعة والأنظمة المؤقتة والنصائح التي تعد الناس بالنتائج السحرية، اختارت سهير منير طريقًا مختلفًا. لم تنجرف خلف الضجيج، ولم تبحث عن الشهرة السهلة، بل آمنت بأن المعرفة الحقيقية وحدها قادرة على إحداث التغيير المستدام. لذلك بنت مسيرتها خطوة بعد خطوة، مستندة إلى العلم الرصين والخبرة المتراكمة والإحساس العميق بالمسؤولية تجاه المجتمع.
لقد فهمت مبكرًا أن التغذية ليست قائمة ممنوعات ومسموحات، وليست مجرد وسيلة لإنقاص الوزن أو تحسين المظهر الخارجي، بل هي ثقافة متكاملة وأسلوب حياة يرافق الإنسان منذ طفولته وحتى شيخوخته. وهي علاقة يومية بين الإنسان وجسده، وبين صحته ومستقبله، وبين وعيه وجودة حياته. ومن هنا جاءت رسالتها مختلفة وعميقة، تتجاوز حدود العيادة لتصل إلى البيوت والعائلات والمدارس ومختلف شرائح المجتمع.
وخلال سنوات طويلة من متابعتي لها، لم أجد فيها مجرد أخصائية تغذية ناجحة، بل وجدت شخصية تحمل مشروعًا إنسانيًا متكاملًا. شخصية تؤمن بأن المعرفة يجب أن تكون متاحة للجميع، وأن التوعية الصحية ليست ترفًا، بل ضرورة مجتمعية تمس حياة الناس ومستقبلهم. كانت دائمًا قريبة من الناس، تخاطبهم بلغة بسيطة دون أن تفرط بالدقة العلمية، وتمنحهم المعلومة بثقة دون استعراض، وبمحبة دون ادعاء.
ولعل أكثر ما يميز سهير منير هو قدرتها على الجمع بين العلم والإنسانية. فالعلم منحها المصداقية، أما إنسانيتها فمنحت هذا العلم روحًا جعلته أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا في حياتهم. ولهذا اكتسبت احترامًا واسعًا وثقة حقيقية لم تأتِ من فراغ، بل من سنوات من العمل الجاد والالتزام المهني والصدق في نقل المعرفة.
في عالم يزداد ضجيجًا يومًا بعد يوم، كانت سهير منير صوتًا هادئًا وعاقلًا. وفي زمن تختلط فيه الحقائق بالشائعات، بقيت مرجعًا يعتمد على العلم والموضوعية. وفي وقت أصبح فيه كثيرون يبحثون عن الأضواء، اختارت أن تجعل رسالتها هي الضوء الذي يقود الآخرين نحو حياة أكثر صحة ووعيًا.
إن ابنة يافا واللد، التي اختارت أن تجعل من واحة السلام موطنًا لفكرها وقيمها، لم تحمل معها خبرة علمية ومهنية راسخة فحسب، بل حملت أيضًا إرثًا غنيًا من المبادئ التي تضع الإنسان في قلب كل رسالة نبيلة. ولعل هذا ما منحها القدرة على الوصول إلى الناس بصدقها وإنسانيتها قبل خبرتها، وأن تحظى بتقدير واحترام كل من عرفها أو تابع مسيرتها. فخلف الأخصائية المتميزة تقف شخصية تؤمن بأن الصحة ليست مجرد ممارسة مهنية، بل مسؤولية مجتمعية ورسالة إنسانية تقوم على الوعي والاحترام والرعاية والاهتمام بالآخر.
هناك من يحقق النجاح لنفسه، وهناك من يجعل نجاحه وسيلة لخدمة الآخرين. وسهير منير تنتمي دون شك إلى الفئة الثانية؛ إلى أولئك الذين يقاس حضورهم بما يزرعونه من وعي، وما يتركونه من أثر، وما يمنحونه للناس من أمل وثقة ومعرفة.
وحين يُكتب عن الشخصيات التي ساهمت في ترسيخ ثقافة صحية واعية ومسؤولة في مجتمعنا، سيبقى اسم سهير منير حاضرًا بكل ما يحمله من احترام ومصداقية وعطاء. لأن الأثر الحقيقي لا تصنعه الضوضاء، بل تصنعه السنوات التي تُكرَّس لخدمة الإنسان بإخلاص، وتصنعه القلوب التي تؤمن بأن المعرفة رسالة، وأن الصحة حق، وأن الإنسان يستحق دائمًا حياة أكثر كرامة ووعيًا وجودة.
وتبقى سهير منير نموذجًا مضيئًا للمرأة الفلسطينية المثقفة والواعية، التي حملت علمها بصدق، وحملت رسالتها بمحبة، ومضت في طريقها بهدوء الواثقين، تاركة خلفها أثرًا جميلاً في العقول والقلوب. فبعض الأشخاص لا يُعرفون فقط بما أنجزوه، بل بما ألهموه في الآخرين، وسهير منير واحدة من هؤلاء الذين يجعلون من المهنة رسالة، ومن المعرفة نورًا، ومن الحياة فرصة دائمة للعطاء.

