حين تُزهر اللغة أحلامًا قراءة في «إبداعات منداوية 14»
كتبت رانية مرجية
تاريخ النشر: 25/06/26 | 8:10
في زمن تتسارع فيه التحولات وتتزاحم فيه وسائل التعبير، يبقى للكلمة الصادقة سحرها الخاص، وتبقى الكتابة واحدة من أجمل الوسائل التي يكتشف الإنسان من خلالها ذاته والعالم من حوله. ومن هذا المنطلق يأتي كتاب «إبداعات منداوية 14» بوصفه أكثر من مجرد إصدار يجمع نصوصًا طلابية؛ إنه مساحة نابضة بالحياة، تتجلى فيها أحلام الطلبة وأسئلتهم وتطلعاتهم، وتنعكس عبرها صورة جيل يخطّ ملامح مستقبله بالحبر والأمل.
من يتصفح هذا الإصدار يلمس منذ الصفحات الأولى حضورًا إنسانيًا دافئًا ينساب بين السطور بعفوية وصدق. فالنصوص المنشورة لا تسعى إلى الإبهار بقدر ما تسعى إلى التعبير، ولا تنشغل بزخرفة اللغة بقدر انشغالها بملامسة المعنى. لذلك تصل إلى القارئ محمّلة ببراءة أصحابها وصدق مشاعرهم، فتبدو الأحلام أكثر إشراقًا، والكلمات أكثر قربًا، والصور أكثر حياة.
وقد شكّل الحلم المحور الأبرز الذي التفّت حوله معظم النصوص، فتنوعت أحلام الطلبة بين طموحات مهنية وإنسانية وعلمية، وبين رؤى تتطلع إلى مستقبل أكثر أمنًا وعدلًا وسلامًا. وفي هذا التنوع تتجلّى ثروة إنسانية حقيقية؛ إذ لا نقرأ أحلام أفراد فحسب، بل نقرأ ملامح وعيٍ يتشكّل، وشخصيات تبحث عن مكانها في العالم، وإرادات صغيرة تتعلم منذ الآن أن الطريق إلى الحلم يبدأ بالإيمان به.
وما يلفت الانتباه في كثير من النصوص هو قدرتها على تجاوز حدود الذات نحو القضايا الإنسانية والاجتماعية. فبين السطور تتردد قيم التسامح والمحبة، ويظهر الرفض الواضح للعنف، وتتجلى أهمية العلم والاجتهاد والعمل. وهي قيم لم تأتِ بصيغة الوعظ أو التلقين، بل جاءت منسوجة داخل التجربة الكتابية نفسها، الأمر الذي منحها صدقًا وتأثيرًا أكبر.
ولعل القيمة الأهم لهذا الإصدار تكمن في كونه ثمرة مشروع تربوي يؤمن بأن اللغة العربية ليست مادة دراسية فحسب، بل جسرٌ نحو بناء الشخصية وصقل الفكر وتعزيز الانتماء. فالكتابة هنا لم تكن نشاطًا عابرًا، بل ممارسة تربوية وثقافية أتاحت للطلبة أن يعبروا عن ذواتهم بحرية ومسؤولية، وأن يختبروا قدرتهم على تحويل الفكرة إلى نص، والحلم إلى كلمة، والمشاعر إلى أثر.
وفي هذا السياق، يبرز الدور التربوي للأستاذ سهيل عيساوي، مدير مدرسة ابن سينا الابتدائية، الذي أسهم في دعم البيئة التعليمية والثقافية الحاضنة للإبداع، انطلاقًا من رؤية تؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، وبمنحه الفرصة ليعبّر ويبدع ويكتشف قدراته. كما تتجلى في هذا الإصدار جهود المعلمين والمربين والقائمين على المشروع، الذين آمنوا بأن رعاية الموهبة مسؤولية تربوية وثقافية، وأن الكلمة الجميلة تستحق دائمًا من يحتضنها ويوجهها.
إن «إبداعات منداوية 14» ليس مجرد كتاب يُضاف إلى سجل الإصدارات المدرسية، بل هو وثيقة ثقافية وتربوية تحفظ أصواتًا فتية وهي تخطّ خطواتها الأولى في عالم الكتابة. وهو في الوقت ذاته رسالة أمل تؤكد أن اللغة ما تزال قادرة على أن تجمع، وأن تلهم، وأن تفتح أمام الأجيال الجديدة أبواب الحلم والمعرفة.
وفي ختام هذه القراءة، لا يسعنا إلا أن نحيّي كل طالب وطالبة جعلوا من الكلمة نافذة لأحلامهم، وكل مربٍّ آمن بأن بناء الإنسان يبدأ من احترام صوته ومنحه فرصة التعبير. فالأمم التي تزرع في أبنائها حب اللغة والكتابة، إنما تزرع فيهم القدرة على التفكير، والقدرة على الحلم، والقدرة على صناعة مستقبل أكثر إشراقًا.




