القاعدة: التنظيم السري… هل كتب عبد الباري عطوان سيرة تنظيم أم شهادة على سقوط النظام العالمي؟

بقلم: رانية مرجية

تاريخ النشر: 24/06/26 | 18:17

ليست قيمة الكتب الكبرى في قدرتها على الإجابة عن أسئلة عصرها، بل في قدرتها على النجاة من موت ذلك العصر.

بعد ما يقرب من عقدين على صدور كتاب «القاعدة: التنظيم السري» لعبد الباري عطوان، يبدو العالم مختلفًا تمامًا عمّا كان عليه لحظة كتابته. سقطت أنظمة، واندلعت حروب، وتغيرت خرائط، وظهرت تنظيمات أكثر دموية من القاعدة نفسها، لكن المفارقة أن الكتاب لم يفقد أهميته، بل اكتسب أهمية جديدة لم تكن متاحة عند صدوره.

فما بدا آنذاك كتابًا عن تنظيم سري، نكتشف اليوم أنه كان في جوهره كتابًا عن أزمة عالم.

هنا تحديدًا تكمن عبقرية العمل وإشكاليته في آن واحد.

لقد كُتبت مئات الكتب عن القاعدة، لكن معظمها انشغل بالسؤال الأمني: كيف يعمل التنظيم؟ من يموله؟ كيف يخطط؟ كيف ينفذ؟

أما عبد الباري عطوان فذهب إلى منطقة أكثر خطورة: لماذا ظهر أصلًا؟

وهو سؤال لا تحبه القوى الكبرى كثيرًا، لأنه ينقل النقاش من نتائج العنف إلى أسبابه، ومن الفاعلين إلى البيئة التي أنتجتهم.

ولهذا لم يكن الكتاب مجرد سرد لتاريخ تنظيم، بل محاولة لفهم لحظة تاريخية خرج فيها الهامش ليصفع المركز.

للمرة الأولى منذ عقود طويلة وجد الغرب نفسه أمام خصم لا يملك طائرات ولا أساطيل ولا جيوشًا نظامية، ومع ذلك استطاع أن يفرض نفسه على أجندة العالم كله.

لم تكن الصدمة في حجم القوة، بل في هشاشة القوة المقابلة أمام فكرة عابرة للحدود.

وهنا يكشف عطوان ما تجاهله كثير من الباحثين الغربيين: أن القاعدة لم تنشأ من فراغ، ولم تكن نتاج عبقرية فردية لأسامة بن لادن بقدر ما كانت نتاجًا سياسيًا وتاريخيًا لمرحلة كاملة من الانكسارات العربية والإسلامية والتدخلات الدولية والخيبات المتراكمة.

لكن قوة الكتاب تبدأ من هنا وتنتهي هنا أيضًا.

فالكاتب الذي اقترب من الظاهرة أكثر من أي صحفي عربي آخر، وقع أحيانًا في غواية الاقتراب نفسه.

لقد رأى بن لادن عن قرب، واستمع إليه، وعاش بعض تفاصيل عالمه المغلق. وهذه ميزة لا تقدر بثمن، لكنها في الوقت نفسه تحمل خطرًا نقديًا معروفًا: كلما اقترب الراوي من موضوعه، ازدادت صعوبة الحفاظ على المسافة الضرورية للحكم عليه.

لذلك لا يخرج بن لادن من صفحات الكتاب بوصفه زعيم تنظيم فحسب، بل كشخصية تتضخم تدريجيًا حتى تلامس حدود الأسطورة.

وهنا يبرز السؤال الذي ظل يرافقني طوال القراءة:

هل كان عطوان يكتب تاريخ القاعدة، أم تاريخ الصورة التي صنعتها القاعدة لنفسها؟

إن الفرق بين السؤالين هو الفرق بين المؤرخ والشاهد.

وبين التحليل والانبهار.

غير أن ما يحسب للكاتب أنه لم يقع في التبسيط الذي اجتاح الإعلام الغربي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

فبينما اختزلت سرديات كثيرة العالم في معركة بين الخير المطلق والشر المطلق، أصر عطوان على أن الواقع أكثر تعقيدًا وقسوة من ذلك.

ولعل الزمن أثبت أن هذه الرؤية كانت أقرب إلى الحقيقة.

فالحروب التي شُنت باسم القضاء على الإرهاب لم تقضِ عليه.

والاحتلالات التي رُفعت تحت شعار نشر الديمقراطية أنتجت موجات جديدة من الفوضى.

والأنظمة التي ادعت حماية الاستقرار ساهمت أحيانًا في إنتاج أسباب الانفجار نفسه.

لهذا أقرأ الكتاب اليوم بوصفه وثيقة عن فشل الجميع.

فشل الأنظمة العربية.

وفشل المشاريع الأيديولوجية.

وفشل الهيمنة الأمريكية.

وفشل الجماعات المسلحة في تحويل شعاراتها إلى مشروع إنساني قابل للحياة.

إنه كتاب عن القاعدة في الظاهر، لكنه في العمق كتاب عن المأزق الحضاري الذي ما زلنا نعيش داخله حتى الآن.

ولهذا السبب لا تكمن أهميته في المعلومات التي يقدمها، فالمعلومات يستهلكها الزمن، بل في الأسئلة التي يتركها مفتوحة.

أسئلة عن العدالة.

والقوة.

والهوية.

والعنف.

والدين.

والهيمنة.

وهي أسئلة ما تزال أكثر حضورًا اليوم مما كانت عليه عندما صدر الكتاب لأول مرة.

لهذا أعتقد أن «القاعدة: التنظيم السري» ليس من الكتب التي يجب أن تُقرأ لفهم تنظيم القاعدة فقط، بل لفهم القرن الحادي والعشرين نفسه.

فالكتاب في النهاية لا يروي قصة تنظيم.

إنه يروي قصة عالم ظن أنه انتصر نهائيًا، قبل أن يكتشف أن الهزائم الكبرى تبدأ غالبًا من الأماكن التي لا يلتفت إليها أحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة