مظلّة الموعظة على الجبل تنشر النّور

زهير دعيم

تاريخ النشر: 24/06/26 | 7:36

كم يبدو عالمنا اليوم متعبًا من كثرة الصراعات، مثقلاً بأعباء الكراهية والأنانية والتعصب ، وكأن الإنسان رغم كل ما حققّه من تقدّم ومعرفة، ما زال يبحث عن الطريق الذي يقوده إلى السلام الحقيقي .
فبيْن ضجيج المصالح المتصارعة وارتفاع أسوار الانقسام ، يظلّ نور الموعظة على الجبل مشعًّا عبر الأجيال، حاملاً رسالة قادرة على أن تغيّر وجه الأرض، لو أن البشر جعلوها منهاجًا لحياتهم .

لقد جاءت هذه الموعظة لتضع أمام الإنسان صورة سامية عن الحياة، التي ترتقي بالروح وتسمو بالعلاقات البشرية. فهي لا تدعو إلى الانتقام بل إلى الغفران ، ولا إلى الكراهية بل إلى المحبة ، ولا إلى التكبّر والتعالي ، بل إلى التواضع والوداعة . إنها دعوة إلى ثورة داخلية هادئة تبدأ في القلب ثم تمتدّ إلى الأسرة والمجتمع والعالم بأسره.

أيها البشر؛ …. تخيلوا لو أن الإنسان أحبَّ أخاه الإنسان كما يحبُّ نفسه، ولو أن القويّ مدّ يده للضعيف بدل أن يستغل ضعفه، ولو أن الغني رأى في المحتاج أخًا له لا عبئًا عليه، ولو أن المختلفين في الفكر أو العقيدة أو الثقافة نظر بعضهم إلى بعض بعين الاحترام والمحبة. كم من الجدران كانت ستسقط ، وكم من الجراح كانت ستلتئم، وكم من الدموع كانت ستجف قبل أن تنهمر؟ !!!.

إن أعظم ما يميِّز الموعظة على الجبل أنها لا تكتفي بمطالبة الإنسان بمحبة من يحبّونه، بل تدعوه إلى مستوى أسمى وأرقى، حيث تتسع دائرة المحبّة لتشمل الجميع، حتى أولئك الذين يسيئون إليه أو يختلفون معه. وفي هذا التعليم تكمن بذرة السلام الحقيقي ؛ لأن الحروب تبدأ في القلوب قبل أن تبدأ على الأرض، والكراهية إذا لم تجد مكانًا في القلب فلن تجد طريقًا إلى الأفعال.

إن البشرية لا تحتاج اليوم إلى المزيد من الأسلحة، بقدر ما تحتاج إلى المزيد من القلوب المتسامحة. ولا تحتاج إلى أصوات تزرع الخوف والفرقة، بل إلى أصوات تزرع الرجاء والمصالحة.
حقًّا ما أحوج عالمنا اليوم إلى أناس يجعلون الرحمة أسلوبًا ، والغفران قوة ، والتواضع فضيلة ، والمحبة قانونًا يحكم تعاملهم مع الآخرين .

لو عاش البشر تحت مظلة موعظة السيّد المسيح على الجبل ، لأصبح السلام ثقافة يومية لا شعارًا موسميًا ، ولتحوّلت المحبة من كلمة جميلة إلى واقع ملموس يعيشه الناس في بيوتهم وشوارعهم وأوطانهم .
عندها لن يكون الإنسان ذئبًا لأخيه الإنسان ، بل سندًا له ورفيقًا في رحلة الحياة ، وستنتصر القيم النبيلة على نوازع الأنانية ، وسيتعلم البشر أن كرامة الإنسان واحدة ، وأن سعادة الفرد لا تكتمل إلا بسعادة الآخرين.
يا أبناء الأرض جميعًا، إن الطريق إلى عالم أكثر إشراقًا ليس بعيدًا ولا مستحيلًا ، إنه يبدأ من قلب يؤمن بالمحبة ، ومن نفس تعرف كيف تغفر، ومن إنسان يختار أن يكون صانع سلام لا وقودًا للنزاعات . فكل خطوة في درب المحبة تقرّبنا من عالم أجمل ، وكل كلمة طيّبة تبني جسرًا بين القلوب ، وكلّ عمل رحمة يضيء زاوية من هذا العالم الذي أنهكته الظلمات والحروب .

فلنسر جميعًا خلف نور تلك الموعظة المباركة ، ولنجعلها نبراسًا لأفكارنا وأقوالنا وأعمالنا ، لأن الإنسانية لن تجد طريقها إلى السلام الدائم ، إلا عندما تتعلّم أن المحبة أقوى من الكراهية ، وأن الغفران أسمى من الانتقام ، وأن التواضع أرفع شأنًا من الكبرياء. وعندئذ فقط تزهر الأرض سلامًا ، وتتنفس البشرية محبة ، ويقترب العالم من الصورة التي حلم بها الأنبياء والحكماء عبر العصور .

تعليق واحد

  1. (كلمات ووصايا جميلة يجدر بالجميع تطبيقها والعمل بهديها، وهي تصلح للقادة الذين لا يعرفون ولا يطبّقون قيم المحبّة والغفران والتسامح…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة