قبل أن يولد الطفل… يُختبر الضمير الإنساني
بقلم: رانية مرجية
تاريخ النشر: 23/06/26 | 13:21
ثمة قضايا تتجاوز حدود السياسة، وتعلو على صخب المواقف والروايات المتنازعة، لأنها تمس جوهر الإنسان في أكثر لحظاته هشاشة.
ومن بين هذه القضايا، تبقى صورة المرأة الحامل خلف القضبان واحدة من أكثر الصور قدرة على مساءلة الضمير الإنساني.
فالحمل ليس مجرد مرحلة بيولوجية عابرة، بل حالة إنسانية استثنائية تتجسد فيها الحياة وهي تتشكل بصمت. إنه زمن تتضاعف فيه الحاجة إلى الأمان والرعاية والطمأنينة، وتصبح فيه المرأة أكثر التصاقاً بمعنى الحماية وأكثر إحساساً بمسؤولية الحفاظ على حياة أخرى تنمو في داخلها.
لذلك يبدو المشهد بالغ القسوة حين تجد أم نفسها مضطرة إلى خوض هذه الرحلة المثقلة بالتحديات في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار واليقين.
الحديث هنا لا يتعلق بالأم وحدها، بل بالطفل أيضاً.
ذلك الكائن الصغير الذي لم يرَ النور بعد، ولم يختر زمانه أو مكانه، يجد نفسه جزءاً من واقع لم يكن له رأي فيه. وبينما ينشغل العالم بخلافاته وصراعاته وحساباته، تبقى هناك حياة جديدة تتشكل في صمت، وتنتظر من الإنسانية كلها أن تمنحها حقها الطبيعي في الأمان.
لقد اعتادت البشرية، عبر تاريخها الطويل، أن تقيس تقدمها بما تبنيه من مؤسسات، وما تضعه من قوانين، وما تحققه من إنجازات. غير أن المعيار الحقيقي لأي حضارة لا يكمن في قوتها، بل في قدرتها على حماية الأضعف فيها.
فالإنسانية لا تُختبر عندما تدافع عن الأقوياء، بل عندما تنحاز لمن لا يملكون سوى إنسانيتهم.
ومن هنا تكتسب قضية النساء الحوامل في أماكن الاحتجاز بعداً أخلاقياً يتجاوز كل الاعتبارات الأخرى. فهي ليست قضية تخص أفراداً بعينهم بقدر ما تمثل اختباراً للقيم التي يعلن العالم التزامه بها، وللمبادئ التي قامت عليها منظومة حقوق الإنسان الحديثة.
لقد كُتبت المواثيق الدولية لحماية الإنسان عندما يصبح ضعيفاً، لا عندما يكون قادراً على حماية نفسه. ووضعت القوانين لتصون الكرامة الإنسانية في أحلك الظروف، لا لتبقى نصوصاً جميلة تُستحضر في المناسبات وتغيب عند الحاجة إليها.
غير أن ما يبعث على القلق اليوم ليس فقط استمرار المعاناة، بل اعتياد العالم عليها.
فكثرة المآسي لا ينبغي أن تجعل الألم أقل وجعاً، ولا ينبغي لتكرار المشاهد المؤلمة أن يحولها إلى أخبار عابرة تفقد قدرتها على إيقاظ الضمير. إذ إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان ليس رؤية الظلم، بل الاعتياد عليه.
في النهاية، لا تحتاج الأم الحامل إلى كثير من الشعارات، ولا يحتاج الجنين إلى بيانات سياسية أو مواقف إعلامية. ما يحتاجانه هو الاعتراف بحقيقة بسيطة وأساسية: أن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ، وأن حق الإنسان في الحماية لا يسقط تحت أي ظرف.
فحين يتعلق الأمر بالأمومة، لا ينبغي أن تكون هناك مناطق رمادية.
وحين يتعلق الأمر بالحياة وهي تتشكل للمرة الأولى، لا يجوز أن يصبح الصمت خياراً.
لأن الأمم لا تُقاس فقط بما تملكه من قوة، بل بما تمتلكه من رحمة.
ولأن التاريخ، بعد أن تنطفئ الضوضاء كلها، لن يتذكر تفاصيل السجالات العابرة، بل سيتوقف أمام سؤال واحد:
هل انتصرنا للإنسان عندما كان في أمسّ الحاجة إلى إنسانيتنا؟





