هواري بومدين ،ملامح رجل الدولة – ما له وما عليه من سلسلة هكذا_نعلم_أولادنا
عزوق موسى محمد
تاريخ النشر: 22/06/26 | 13:29
يُعد هواري بومدين شخصية محورية في التاريخ الجزائري المعاصر. بنى دولة مؤسسات صلبة وأرسى هيبة دولية بارزة للجزائر، لكنه أسس أيضاً لنمط الحكم الفردي المطلق الذي استمر تأثيره المباشر على بنية السلطة لعقود. يحتاج الجيل الناشئ إلى فهم تاريخه كما كان في الواقع: بإنجازاته الملموسة في البناء، وإخفاقاته الاستراتيجية التي ما زالت الأجيال اللاحقة تدفع ثمنها، بعيداً عن التمجيد العاطفي أو الاختزال السطحي.
أولاً: تنويه منهجي ضروري (مقاربة موضوعية)
في سلسلة هكذا نعلم أولادنا، نؤكد أن الغاية ليست الطعن في مصداقية أو وطنية أي من القادة، ولا الاصطفاف مع رئيس ضد آخر. الهدف الأسمى هو الوقوف في منتصف الساحة التاريخية برفع اللبس ونقل الحقائق والوثائق كما هي دون تحريف أو تأويل، لسد ثغرة يستغلها المغرضون للطعن في أعلام الجزائر ومؤسساتها. هذا العمل هو جهد مقل يسعى لتقديم التاريخ بأمانة لتبيان كيف قفزت الجزائر من وضعية الأزمات لتنطلق في بناء دولة قوية بمؤسساتها وجيشها، برؤية واضحة تفصل بين قدسية الثورة الشعبية وبراغماتية صراع السلطة.
ثانياً: السيرة الذاتية المختصرة والمصححة
ولد محمد بن إبراهيم بوخروبة في 23 أوت 1932 بضواحي قالمة لأسرة فلاحية بسيطة. درس في الجامع (الكتّاب) ثم المدرسة الفرنسية، ثم انتقل إلى قسنطينة حيث التحق بمعهد ابن باديس ذي التعليم المعرّب. في عام 1951، غادر نحو تونس ثم مصر، والتحق بجامعة الأزهر الشريف.
تلقى تدريباً عسكرياً بالقاهرة، وعبر إلى الجزائر عام 1955 عبر سفينة السلاح الشهيرة “دينا” وكل ذلك كان بتوجيه ومساعدة مباشرة من أحمد بن بلة الذي رعاه في بداياته وسهّل انخراطه الميداني. انضم بومدين بعد ذلك إلى الولاية الخامسة (الغرب الجزائري) تحت قيادة عبد الحفيظ بوصوف (مؤسس ومدير المخابرات الجزائرية – المالغ MALG)، وتدرج بفضل انضباطه التنظيمي الصارم وولائه المطلق حتى أصبح قائداً للولاية برتبة عقيد عام 1957، متخذاً اسمه الثوري “هواري بومدين”.
في عام 1960 عُين رئيساً لهيئة الأركان العامة بوجَدة، فركز استراتيجيته على بناء وتدريب “جيش الحدود” على التنظيم العسكري الكلاسيكي بعيداً عن إنهاك المعارك الاستنزافية في الداخل، مما جعل هذا الجيش القوة النظامية الضاربة والأكثر تجهيزاً عند الاستقلال.
تحالف بومدين مع أحمد بن بلة عام 1962 ودخل العاصمة فارضاً السيطرة العسكرية، وتولى وزارة الدفاع. وفي 19 جوان 1965، أزاح بن بلة في ما سمّي بـ”التصحيح الثوري” (والذي كان انقلاباً عسكرياً كامل الأركان)، وانفرد بالسلطة تماماً عبر “مجلس الثورة”. وتوفي في 27 ديسمبر 1978 إثر إصابته بمرض والدنستروم (اضطراب نادر في الدم) بعد غيبوبة دامت أسابيع.
ثالثاً: تفكيك محطات حاسمة: ما له وما عليه
1- جدلية بوصوف وبومدين: صناعة القائد وتنكر السلطة
تكشف الحقائق التاريخية وشهادات رجالات الظل في جهاز “المالغ” أن هواري بومدين كان في الأصل “صنيعة” تنظيمية وعسكرية مباشرة لعبد الحفيظ بوصوف. فرغم التحذيرات المبكرة التي تلقاها بوصوف من أحمد بن بلة، والذي كان يرى في بوخروبة (بومدين) رجلاً أرسله محمد بوضياف كخديعة سياسية واختراق لكتلته، إلا أن بوصوف وثق في بومدين وقرّبه ودفعه إلى الواجهة.
بمجرد تمكن بومدين من قيادة الأركان واعتلائه هرم السلطة بعد الاستقلال، أدار ظهره لصانعه؛ حيث عُزل بوصوف ونُحي رجالات الحكومة المؤقتة (GPRA) بشكل منهجي، وأُريد لجهودهم التاريخية أن تُنسى وتُطمس. ورغم هذا التنكر، آثر بوصوف الانسحاب والاعتزال لتفادي الصدام، بل إن رجالات جهازه (المالغ) اعتبروا انقلاب 19 جوان 1965 أمراً متوقعاً ومرغوباً فيه لإزاحة بن بلة، الذي كان بوصوف يراه شخصية “طموحة وغير ناضجة سياسياً”.
2- زواجه من أنيسة المنصلي وتغير نمط العيش :
تزوج بومدين في نوفمبر 1973 من أنيسة المنصلي، وهي محامية تنحدر من عائلة برجوازية عاصمية (والدها كان محامياً معروفاً في العهد الاستعماري). كانت السيدة المنصلي مفرنسة تماماً في ثقافتها، لباسها، ونمط حياتها، وبعيدة عن أي خلفية ثورية أو انشغال بالفكر الفلاحي والاشتراكي الكلاسيكي.
شكل هذا الارتباط صدمة صامتة للنواة اليسارية والتعريبية المحيطة بالرئيس؛ إذ إن “ابن الفلاحين” الذي كان يخطب في الجماهير بالتقشف والاشتراكية الصارمة، ارتبط شخصياً بممثلة للنخبة البرجوازية المفرنسة. بعد هذا الزواج، انفتح بومدين نسبياً على حياة أكثر بروتوكولية ورَفاهية ديبلوماسية، وهو ما يراه المؤرخون بداية ملموسة للتناقض بين الخطاب الإيديولوجي الشعبي الموجه للاستهلاك العام والواقع المعيشي الفعلي للنخبة الحاكمة.
3- زيارة فاليري جيسكار ديستان (أفريل 1975) وحقيقة التوازنات الاقتصادية
جاءت الزيارة الأولى لرئيس فرنسي بعد الاستقلال في سياق أزمة اقتصادية جزائرية خانقة ناجمة عن تراجع أسعار النفط، وبحث السلطة عن توازن ديبلوماسي عاجل. ورغم خطاب بومدين العلني الحاد ضد الإمبريالية والمستعمر القديم، إلا أنه خلف الكواليس قدّم مقترحات براغماتية جداً للجانب الفرنسي اعتُبرت تنازلات جوهرية، وشملت:
تقديم تسهيلات ومميزات تفضيلية مجددة للشركات النفطية الفرنسية (مثل Total وElf) بعد صدمة تأيـمات 1971.
إبرام ترتيبات خاصة لضبط وتأطير تدفق العمالة دون إحراج باريس، مع تفعيل تعاون أمني لتهدئة المعارضة الجزائرية في فرنسا.
منح الأولوية التنافسية للشركات الفرنسية في عقود التجهيز الصناعي الكبرى ومصانع التركيب.
رفض ديستان هذه المقاربة البومدينية نظراً لتحول فرنسا الاستراتيجي آنذاك نحو أسواق النفط الخليجية وإيران، بجانب النظرة الاستعلائية الكلاسيكية للرئيس الفرنسي التي وثقها لاحقاً في مذكراته (Le Pouvoir et la Vie). تُظهر هذه المحطة أن السياسة الخارجية لبومدين كانت محكومة ببراغماتية مصلحية شديدة عند الأزمات الاقتصاديّة، بعيداً عن الشعارات الصلبة غير القابلة للمساومة.
4- الثورة الصناعية: صناعة مصانع أم بناء إنتاج؟
تبنى بومدين نموذج “الصناعات المصنّعة” (industries industrialisantes) المستوحى من التخطيط السوفييتي المركز، موجهاً ريع النفط بالكامل لبناء المنشآت الثقيلة كمركب الحجار للحديد والصلب، والمركبات الميكانيكية والالكترونية بقسنطينة وسيدي بلعباس.
ما له: وفّر آلاف فرص الشغل المباشرة، وأنشأ قاعدة تكنولوجية وهندسية وبنية تحتية صناعية ثقيلة للجزائر لأول مرة في تاريخها.
ما عليه: كانت صناعة “فوقية” معزولة عن متطلبات السوق الفعلي. فقد أهملت الدولة القطاع الفلاحي تماماً، بل وتم تدمير الريف إدارياً عبر “الثورة الزراعية” سيئة التخطيط، فتحولت الجزائر من بلد مصدر للغذاء إلى بلد مستورد لأبسط مقومات قوته (كالقمح) بالعملة الصعبة. كما أن المصانع الضخمة كانت تعمل بـ30% إلى 40% فقط من طاقتها الفعلية وتعيش على الدعم الريعي المتأتي من النفط دون أي مردودية اقتصادية ذاتية، مما مهد للأزمة الهيكلية القاتلة في الثمانينيات.
5- التعريب: مشروع شعبي أم فصام لغوي في هرم السلطة؟
كان مشروع التعريب في عهد بومدين موصوفاً تاريخياً بأنه “مشروع موجّه للشعب للاستهلاك، لا لنخبة الحاكمة”، حيث تحول مع الوقت إلى ما يشبه الشماعة أو “أسطورة من كرتون”. فالحقيقة أنه رغم ادعاء التوجه القومي والعروبي، إلا أن واقع الحال كان يعكس فصاماً حاداً وصعب الفهم؛ إذ ظلت مفاصل الدولة الحيوية تدار بالفرنسية كلياً:
مجلس الوزراء: كان يُسير باللغة الفرنسية لأن جل الوزراء (بل وبومدين نفسه في نقاشاته التقنية المعمقة مع بلعيد عبد السلام أو عبد العزيز بوتفليقة) كانوا يفضلون استخدام الفرنسية.
سوناطراك والشركات الكبرى: كانت تدار بنسبة 100% باللغة الفرنسية.
الأمن والجيش: كانت المراسلات والخطط والوثائق الحيوية والتقنية تصدر بالفرنسية نظراً لهيمنة ضباط فرنسا الفارين الفاعلين في الهيكلة النظامية.
استُخدم التعريب كأداة أيديولوجية فاعلة لاستقطاب الشرعية الشعبية والتقارب مع التيار المحافظ في المدارس والتعليم والعدالة، بينما حافظت النخبة الحاكمة على الفرنسية لإدارة ملفات الاقتصاد والأمن، مما خلق فصاماً لغوياً حاداً يعاني منه النظام التعليمي والإداري الجزائري إلى اليوم.
رابعاً: ملحق تاريخي وتوثيقي: حقائق خلف الستار
أولاً: مفاوضات السجناء الخمسة في فرنسا (1956 – 1961) ورسم ملامح رئيس المستقبل
بعد قرصنة فرنسا لطائرة القادة الخمسة للوفد الخارجي (أحمد بن بلة، محمد بوضياف، حسين آيت أحمد، مصطفى الأشرف، ومحمد خيضر) عام 1956 واحتجازهم في سجن “أولنوا” ثم “توركان”، أرسل قائد الأركان هواري بومدين وزيره ومبعوثه الشخصي عبد العزيز بوتفليقة في مهمة سرية دقيقة. دخل بوتفليقة إلى السجن مستخدماً جواز سفر مغربي مزور لتفادي الرقابة الفرنسية الصارمة. كانت المهمة تتمحور حول استشراف واختيار “رئيس شرعي مستقبلي” للجزائر المستقلة يكون غطاءً مدنياً لشرعية جيش الحدود العسكرية التي يقودها بومدين. طُرح العرض على القادة: فرفض محمد بوضياف العرض بصرامة منطلقاً من مبدأ رفض وصاية العسكر على القرار السياسي للثورة، بينما قبله أحمد بن بلة ودخل في التحالف، وهو التحالف الذي مكن جيش الحدود وبن بلة من الاستيلاء على السلطة وإقصاء الحكومة المؤقتة (GPRA) في أزمة صيف 1962 الشهيرة.
ثانياً: السيطرة على أموال جبهة التحرير الوطني والتأسيس المالي للسلطة
خلال سنوات الثورة، تجمعت لدى قيادة الأركان وجيش الحدود أموال معتبرة وتبرعات ديبلوماسية باسم جبهة التحرير الوطني (FLN). ورغم الحاجة الماسة للولايات الداخلية في العمق الجزائري للسلاح والدعم المالي والتمويني بسبب حصار خطي (شال وموريس)، إلا أن بومدين احتفظ بكتلة مالية ضخمة من أموال الجبهة ولم يرسلها للداخل. استُخدمت هذه الأموال المحفوظة بعناية كخزان مالي مستقل عند الاستقلال لتأمين ولاء الضباط، وتأسيس الهياكل الأمنية والاستخباراتية الأولى، وضمان التفوق اللوجستي الكامل للجيش ضد الخصوم السياسيين في الداخل، مما أمّن له التمدد والسيطرة المطلقة على مفاصل الدولة الناشئة دون الخضوع لرقابة مؤسسات الحزب أو الحكومة المؤقتة.
خاتمة تربوية: لأولادنا
بومدين لم يكن خائناً ولم يكن ملاكاً؛ كان رجل دولة وطنياً بنى مؤسسات وهيبة دولية للجزائر بطريقته الصارمة، لكنه ألغى الحريات السياسية والتعددية، وتجاوز المقربين ومن أعانوه وصنعوه في البداية لضمان انفراده المطلق، وفرض اقتصاداً اشتراكياً ريعياً دمر الفلاحة، وجعل التعليم حقل تجارب أيديولوجية بينما ظلت النخبة الحاكمة تدير الدولة بالفرنسية.
التاريخ ليس سيرة أبطال مطلقين أو أشرار، بل هو دروس في البراغماتية، التوازنات، والتناقضات. يتعلم أولادنا من تجربة بومدين أن بناء الدول المستقرة يتطلب توازناً حقيقياً بين هيبة السلطة وحرية المواطن، بين الشعارات والواقع، بين التطور الصناعي والأمن الغذائي، وبين الهوية الدينية والكفاءة العلمية واللغوية. هكذا نعلم أولادنا التاريخ كما كان.
محترمكم موسى عزوق برج زمورة، 06 محرم 1448 هـ / الموافق لـ: 22 جوان 2026 م
المصادر والمراجع المعتمدة
1. الوثائق الدبلوماسية والأرشيفية: وثائق الأرشيف الدبلوماسي لكل من الجزائر، مصر، فرنسا، الولايات المتحدة الأمريكية (برقيات الخارجية والـ CIA)، والاتحاد السوفيتي السابق.
2. الشهادات الشفهية واللقاءات التلفزيونية الموثقة:
المقابلة التلفزيونية الموثقة مع الوزير الجزائري الأسبق ورئيس جمعية قدماء “المالغ” دحو ولد قابلية، عبر قناة ONE TV، بعنوان: “One 2 One Khaled Drareni interview Daho Ould Kablia” (والتي تناولت محاور جوهرية حول الجذور السياسية لنوفمبر، وموقف بوصوف والمالغ من أزمات السلطة ما بعد 1962 وانقلاب 1965، وطبيعة العلاقات الإقليمية والفرنسية).
3. المذكرات والكتب التاريخية:
مذكرات الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان (Le Pouvoir et la Vie).
كتاب “نصف قرن من الكفاح” – العقيد الطاهر الزبيري.
كتاب “شاهد على اغتيال ثورة” – الرائد لخضر بورقعة.








