فكِّر بنفسك
رانية مرجية
تاريخ النشر: 21/06/26 | 14:09
فكِّرْ بنفسكَ…
قبل أن تُولدَ للمرةِ العشرين
من رحمِ الخوف،
وقبل أن يسكبوا في فمكَ
حليبَ الطاعةِ
من صدرِ العبودية.
فكِّرْ…
ولا تستعرْ أفكاركَ
من جرارِ الأموات،
ولا تمضغْ خرافاتِهم
كأنها خبزُ النجاة.
كم من يقينٍ
كان قفصًا مذهبًا،
وكم من حقيقةٍ
عاشت عمرًا كاملًا
على عكازِ الوهم.
من قال إن النورَ في الأعلى؟
لعلّهُ يختبئ
في قاعِ جرحٍ قديم،
أو في زنزانةِ شاعرٍ
نسيَ الطريقَ إلى التصفيق،
أو في نفسٍ وحيدةٍ
ضلّت عن جوقةِ المؤمنين.
السماءُ ليست وعدًا دائمًا،
بل مرآةُ من يجرؤ
أن ينظر إلى ذاته
دون أقنعة.
فكِّرْ بنفسكَ…
فالذين سبقوك
حملوا راياتٍ كثيرة،
وماتوا وهم يقسمون
باسمِ الحقيقة.
لكن قلّةً منهم فقط
توقفتْ لحظةً
لتسأل:
هل كانت تلك الحقيقةُ
طريقًا إلى الحرية،
أم اسمًا آخرَ للسجن؟
انظرْ إلى المرآة،
ولا تسألها:
من أنا؟
قل لها:
سأكتشفكِ
كما يكتشفُ البحرُ
حدودَهُ في العاصفة.
افتحْ جمجمتكَ
ككتابٍ نجا من الحريق،
وانبشْ المعنى
من بين رمادِ الخيبات.
لا تكن ظلًّا
يعبرُ عمرَه
خلفَ أقدامِ الآخرين.
ولا تكن صوتًا مستعارًا
في حنجرةِ القطيع.
فالعالمُ لا يحتاجُ
نسخةً أخرى
من الحكايةِ نفسها،
بل يحتاجُ أولئكَ المجانينَ الجميلين
الذين يملكون شجاعةَ السؤال
حين يكتفي الجميعُ بالتصفيق.
فكِّرْ بنفسكَ…
فكلُّ عقيدةٍ
تخافُ من الشك،
تخافُ من الحياة.
وكلُّ يقينٍ
لم يمرَّ في النار،
يبقى معدنًا لم يُختبر.
إذا سألوكَ عن الحق،
فلا تتعجلِ الجواب.
قل:
لا أعرف.
لكنني أبحث،
وأشك،
وأتعثر،
وأعودُ إلى الطريق
بجراحٍ أكثر،
وبصيرةٍ أكثر.
لن أبيعَ روحي
بثمنِ الطمأنينةِ الزائفة.
كن وحدكَ،
إن لزم الأمر.
فالعزلةُ ليست قطيعة،
بل نافذةٌ
يفتحها الإنسانُ
على صوتهِ الأول.
هي المسافةُ الضرورية
بينكَ وبين الضجيج،
لكي تسمعَ
ما تقولهُ روحكَ حقًا.
فكِّرْ بنفسكَ…
فالخلاصُ لا يهبطُ
على هيئةِ معجزة.
إنه الشرارةُ
التي تولدُ
حين تجرؤُ على مواجهةِ ذاتكَ.
وحين تنتهي
من هدمِ الأصنامِ كلّها،
التفتْ خلفكَ مرةً أخيرة…
فقد يكونُ
آخرُ صنمٍ ينتظرُ السقوط
هو أنت.





