قراءتي لرواية “311” للكاتب يوسف حجازي العفيفي ”ابن طمرة الجليلية”

خالدية أبو جبل

تاريخ النشر: 20/06/26 | 11:43

الصادرة عن (دار الحديث) للإعلام والطباعة والنشر بإدارة: فهيم أبو ركن
تقع الرواية في 152 صفحة من الحجم الوسط
يطالعنا الرقم 311 بوضوح وقوة الأزرق وهو يحتل صفحة الغلاف، وكأنه يستفزّ السكون فينا ويُثير فينا التساؤلات: لمَ يحتل الرقم صفحة الغلاف؟ ولمَ تُستبدل الأحرف بالأرقام؟ ولا تأتينا الإجابة طائعة راضية من أولى الصفحات، ولا تكتمل الصورة إلا مع نهاية الرواية، وإن غرز الرقم في القلب وجعاً، وفي العقل قهراً، وفي الزور غصة منذ البدايات…
فالرّقم 311 في رواية العفيفي هو انعكاس للمأساة والواقع الرقمي الذي يعيشه المهاجر أو اللاجئ الفلسطيني. فالرّواية تتحدث عن شاب فلسطيني يهاجر قسراً للبحث عن لقمة العيش… وفي رحلة البحث هذه يتحول الإنسان من اسم وتاريخ إلى مجرد رقم في سجلات الهجرة، أو طابور المساعدات، أو حتى في عداد المفقودين في البحار؛ حيث يصبح هذا الرقم بمثابة وشم معنوي يرافق الشاب الغزّي الفلسطيني في

محطات هجرته، ومن ثمّ يحتل هذا الرقم البطولة المطلقة في الرواية.
رمى العفيفي عن عاتقه مسؤولية الرواية وأحداثها على كاهل الشاب حسام الغزاوي الذي تولى مهمة السرد، بينما قام العفيفي بتوثيق حكايته بسردية حكائية روائية… وأعتقد أن العفيفي تعمد هذا إيماناً منه أن صدق الرواية ينبعث من صدق من عاشها فعلاً. وهكذا تكون الرواية أكثر دفئاً وحميمية، وتكون أكثر دقة وإحكاماً من حيث الوقائع على الأقل. وبهذا يكون العفيفي قد انضم للأصوات التي دعت لإيصال صوت أبناء غزة للعالم من غير رتوش، وعلى رأس من آمن بهذه الفكرة وطبقها الناقد الفلسطيني د. عادل الأسطة، الذي اهتم بنقل كتابات أهل غزة المواكبة للإبادة وما بعدها، إقراراً منه أن من يده بالنار ليس كمن يده في الماء، وقد تابع في يومياته منذ السابع من أكتوبر 2023 معظم ما كتبه أبناء غزة تحت النار؛ فلا غزة في العالم كما غزة فلسطين.
إذن، فالأهمية نابعة هنا من أهمية الإنسان الذي عاشها، وما حفلت به أيامه من مصاعب وتحديات استطاع أن يواجهها وأن يتغلب عليها، ثم العلامات التي تركتها الحياة على جسده وفي روحه، بحيث يمكن اعتباره

شاهداً على مرحلة بمرّها وحلوها، ثم كيف تجاوزها وها هو الآن يستعيدها من خلال روايتها لتكون درساً وعبرة:
“ولا بدّ أن دافع التوثيق هو دافع عاطفي بالأساس، حين يرى الكاتب أن لا سلطة له البتّة على ما يدور حوله؛ فالزمن يسير إلى الأمام وليس لنا سلطة على التحكم به، تتعثر معه معالم الأمكنة المحفورة في الذاكرة، فيشعر المرء بالغربة والضياع، خاصة أن تغيير صورة المكان يقوم به الآخر في معظم الحالات.” (1)
على هذا الأساس يمكن أن نقول أن العفيفي قام بكتابة سيرة غيرية تخص الشاب الغزّي حسام، غير أن هذا لا ينفي أنه استطاع أن يضع جزءاً منه في الرواية، لكن هذا الوجود كان خفياً وموزعاً في جوانب الرواية كلها، أي أنّه ذائب في كلّ جزء دون أن يعلن عن نفسه ودون أن يُشعر القارئ بثقله، ومع ذلك يمكن إدراكه وتمييزه.
فقد استطاع العفيفي الانسجام مع روح الرواية، فجاء سرده سهلاً صادقاً بعيداً عن التكلف والتعقيد، فهو الأقدر دائماً على محاكاة سيرة إنسان عادي كـ “حسام الغزي”، مما جعل صوته وصوت البطل يذوبان معاً في إيصال الفكرة برباطة جأش وصدق. وهذه سمة جميلة امتاز بها قلم الكاتب في إصداراته الثلاث: رواية عفيفة بنت المختار، ومجموعته القصصية قصص مش

شخصية، وروايته الأخيرة 311.
أما أول رؤية لظل الكاتب الكبير فتظهر في اختياره لعنوان الفصل الأول من الرواية: “هنا غزة”؛ عبارة حملت شحنة عاطفية ولغوية مكثفة، تثير في النفس مزيجاً من الصور والمشاعر العميقة، فلا بدّ أن ترتعش خلاياك ولا بدّ للدمعة أن تفر من مآقيها. صوت يأتي من ذلك الزمن الغابر الذي كان يطل بصوت المذيعين قديماً، والتي نسمع فيها صوت الصمود. “هنا غزة” تضع القارئ فوراً أمام مواجهة مباشرة مع واقع قاصٍ، لكنه في الوقت ذاته يحمل فخراً واعتزازاً استثنائياً. “هنا غزة” تختصر التاريخ والجغرافيا والجرح، وتذهب بذهن القارئ إلى الحياة اليومية التي يعيشها أهل غزة وسط الركام، وإلى أحلام أطفال ضاعت خلف الدخان.
وعن المكان قال د. رياض كامل:
“يستطيع دارس الأدب الفلسطيني عامة، سواء كان شعراً، قصة، رواية، مسرحاً، أن يرى بوضوح العلاقة الحميمية التي تربط الفلسطيني بالمكان، نظراً لما تعرض له من تشرد وضياع. فالأدب الفلسطيني يؤكد على قيمة الأرض والبيت والحقل والمخيم وغيرها كموتيفات متكررة… إني أعتقد جازماً أن فضاء الأدب الفلسطيني يختلف عن فضاء الأدب العربي عامة – وذلك بفعل

النكبة والنكسة وما سبقهما وما تلاهما من حروب جعلت الفلسطيني ينتقل من مكان لآخر بعد أن فقد بيته وقريته وبلاده، يحاول التعويض عن ذلك بوسائل متعددة، منها استحضار المكان في الذاكرة، والحديث عنه في مؤلفاته، فيخرج من إطار الموقع الجغرافي ويأخذ منحى عاطفياً مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالشخصيات.” (2)
رواية 311 تستمد أحداثها من التاريخ المعاصر للقضية الفلسطينية، وعصب الرواية يتقيد بحدث تاريخي واقعي وبأماكن فلسطينية واقعية:
“كان ذلك في اليوم الأول من رمضان السابع من يوليو عام 2014… لم أنسَ التاريخ بتفصيله أبداً، ركبت خلف السائق متوجهاً إلى رفح، وفي الطريق هزّت الأرض أول قذيفة في حرب ذلك العام.” (3)
إذن، فرواية العفيفي التي جاءت على لسان حسام الغزّي امتدت على صفحات أيام سطّر عليها الشاب الفلسطيني ألم هجرته وهو يحمل الرقم بين عينيه من مكان إلى مكان؛ ولا مكان ملكه، لا مكان يقدم له ما يحتاج إليه، لا مكان يدافع عنه أو يحميه، لا مكان يحيا بّه ويرتبط معه بكل جزيئاته وأحواله.
سطّرت الرواية سيرة إنسان فلسطيني عادي صورت

سيرة شعب. هذا الإنسان هو الحياة ذاتها بكل ما فيها من عواطف وخيبات وأحلام… صحيح أن الإنسان المقهور يشغله بالدرجة الأساسية رفع القهر عنه، لكن هذا الإنسان ذاته مليء بالرغبات والأحلام ويطمح أن تكون الحياة أكثر سخاءً- وهذا ما يجب أن يُرى وأن يُبحث عنه في الرواية، وهذا ما يحرص العفيفي على أن يتضمنه عمله، من خلال إدارة حوار اتسم بالمعرفة والنزاهة، حيث اهتم أن يعطي لحسام الغزّي الحق والفرصة في أن يُعبر وأن يوضح ويضيء من أجل الوصول في النهاية إلى الحقيقة.
لكن سؤال الحقيقة والوجع يضعه العفيفي في فصله الأخير الذي أعطاه عنوان “اللانهاية”… وقد امتد نزف وجع الرواية حتى الإبادة التي تعيشها غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، ليدرك معها الغزي المهجّر أن للغربة معنى آخر غير الذي يعرفه البشر:
“أدركت أن الغربة ليست بلداً آخر، بل ساعة تمشي بغير وقتنا، نطلب من القلب أن يهدأ بينما الأخبار تسحبُ أنفاسه حبّةً حبّة.” (4)
يخترق الغزّي الأخبار ويجتاز حقول المسافات الملغومة ودوائر الهجرة، ويخلق الوقت ليروي كلّ تفاصيل حياته التي صنعت منه إنساناً قادراً على الصمود والعطاء، ولا

ينسى أن يروي لهم في دوائر الهجرة قصة “ليلى والذئب”، وما أذكاه من رمز يحمل في طياته سخرية مفادها: واللبيب من الإشارة يفهم! فهل كان الذئب يوماً خارج البيت أو بعيداً عنه؟! ألم يتعاون على ليلى الفلسطينية القريب قبل الغريب؟!
“كأني أحمل حياتي كلها في حقيبة واحدة، رويت لهم قصة ليلى والذئب…” (5)
“إن سألوك عني فقولي: يعمل ويصلي ويُعد للأيام خبزاً وصبراً، يحمل رقم 311 في جيبه اليمنى ويحمل أمًه في اليسرى، وإن تأخر فليس لأنه نسي الطريق، بل لأن الطريق أطول من خطوة وأقصر من حنين. ابنك بلا أقنعة، حسام.” (6)
إنه حسام الذي ظن أبوه أنه يبني له مستقبلاً بعيداً عن أرض الآلام، فكانت طريقه كلّها مسامير وآلام، وإن ظنّ البعض أنه نجا بجسمه من الإبادة، فالحق أنه قد لحقت به أكبر خسارة حين رحل الذين أحبهم، وضاعت الدار والباب والمفتاح… لكنه ظلّ صامداً قوياً يعمل ويصلي ويُعدُ للأيام خبزاً وصبراً… وقد صحّ قول الشاعر الفلسطيني صلاح الفقيه حين قال: “تكن خاسراً إن نجوت”
تَمرّدٌ قد أتى أُكُلَهُ وأثمر

فليس الفوز في النجاة

إنما الفوز في كسر القيود والحواجز

تمرد على الشعر فلا تجعله حبيساً

تمرد على الظل، فلا ترى في المرآة إلا وجهك

تمرد على الحب ولا تتبع إلا نداء قلبك

لتصير رجلاً من أغاني، وتفوز بك امرأة حملت كل أسرار الكون

تذوبا معاً

تثورا معاً

وتغوصا في الصراع إلى منتهاه

ويبزغ نور النجاة من ثغر فجر جديد (7)

مبارك للأخ الكاتب يوسف حجازي هذه الرواية الرائعة، وإلى مزيد من الإصدارات الجميلة والهامة.
خالدية أبو جبل
الجليل الفلسطيني
19 حزيران 2026
المصادر:
دراسات في الأدب الفلسطيني، د. رياض كامل، ص 24.
الواقع والتخييل، عالم محمد علي طه الأدبي، د. رياض كامل، ص 94.
رواية 311، يوسف حجازي العفيفي، ص 25.
رواية 311، يوسف حجازي العفيفي، ص 140.
رواية 311، يوسف حجازي العفيفي، ص 145.
رواية 311، يوسف حجازي العفيفي، ص 143.
صلاح الفقيه، شاعر فلسطيني مقيم في الأردن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة