إبحار في إبحار الشَّاعر طارق عون الله- القسم الثَّاني

بقلم: الشَّاعر العَروضيُّ محمود مرعي

تاريخ النشر: 20/06/26 | 8:23

نتابع إبحارنا في إبحار الشَّاعر طارق عون الله، وكما بدأنا القسم الأوَّل، نثبت النَّصَّ ثمَّ نسبر غوره وعمقه، وكما قيل فاللُّؤلؤ في الأعماق، ولذا علينا التَّزوُّد بالأدوات اللَّازمة للإمساك باللُّؤلؤ.
إبحار في نار التجربة (2)
الشَّاعر طارق عون الله
كما يصنع الطفلُ طائرَ الورق
من بقايا دفترٍ وحلمٍ مؤجَّل،
يصنع الإنسانُ أوطانَه
من نشيدٍ سريع الاشتعال.
نعلّق الفكرة في الهواء،
نصفّق لطيرانها الأول،
ثم- بدافع الحبّ نفسه-
نقرّب النار
لنرى إن كانت تستحقّ البقاء.
لسنا قتلةً بالفطرة،
نحن مجرّبون.
نحرق كي نطمئنَّ
أننا ما زلنا نملك النهاية،
وأن ما يعلو فوق أيدينا
لا يعلو علينا.
الطائر لا يصرخ حين يحترق،
لأنه يعرف:
الجناح الذي صُنع من وهم
لا يموت،
بل يعود فكرةً
في رأس طفلٍ آخر.
هكذا يتناسل الخراب:
من يدٍ بريئة
إلى تاريخٍ محترف،
ومن شرارةٍ للتسلية
إلى حريقٍ يُسمّى قدرًا.
وكلما سألنا الرماد:
من فعل هذا؟
أشارت أصابعنا
إلى طفولةٍ بعيدة
ونحن نرتدي ثياب العقلاء.
فليكن إذن بيانًا فلسفيًا مكثفًا:
أحيانًا لا نخطئ الصياغة،
بل نخطئ درجة النار.
ما كتبته وكتبناه كان احتراقًا مفهومًا،
نارًا تُرى وتُشرح وتُحاجَج،
لكن الوجع الذي نبحث عنه
ليس في اللهيب،
بل في ما لا يشتعل رغم أنه يستحقّ.
………….
مقدِّمة للضَّوء حَتّٰى لا تتعثَّر
كما لا يليق بك السَّهو في الحَضْرَةِ، فَكَذٰلِكَ لا يليق بك غمض الفكر في حضرة الفكرة، لذا ما عليك سوى أن تُعَرِّيَ فكرك وتُجَرِّدَه ممَّا علق به من شوائب حضورك في كهوف اعتقال الفكر، حَتّٰى يصفو فكرك، كما كان في سيرته الأولى قبل أن تطبع الحداثة وسالِفُها وخالِفُها عليه أيَّ حضور في حضرة طيف ما. فإن حصَّلت ذٰلِكَ وتحصَّل لك بعد رياضة فكرك وغسيل روحك، فادخل معنا بكامل ما شحنتك الـمقدِّمة من نور وجدِّف معنا في إبحارنا وغوصنا.

وكما يلوب ذو العلَّة «والشُّعراء أبناء علَّات!» ويحالفه السَّهر، ولا يشعر بالرَّاحة والشِّفاء ولو إلى حين، حَتّٰى يُفرغ حمله ثمَّ يستسلم لغفوة تطول أو تقصر بمقدار ما كان وجعه قويًّا، ثمَّ يستيقظ بعد أن يقرصه الوجع ويعيده كما كان يلوب بدءًا.
وكما بدأ القسم الأوَّل:
«وكما يصنع الطِّفل
طير الورقْ..
ثمَّ يحرقه…. أحترقْ».
عاد في القسم الثَّاني وكرَّر ما يصنع الطِّفل، لٰكِنْ مع اختلاف الأدوات:
«كما يصنع الطفلُ طائرَ الورق
من بقايا دفترٍ وحلمٍ مؤجَّل،
يصنع الإنسانُ أوطانَه
من نشيدٍ سريع الاشتعال».
فبينما كان في القسم الأوَّل “طير الورق”، وقد يكون في يد الطِّفل أيَّ دمية تشبه الطَّير وتسمَّى “طير الورق”، دون ذكر أيِّ ورق استعمل، لٰكِنْ وراء ذٰلِكَ تجربة الوصول إلى الوعي والإدراك لدى الطِّفل، أمَّا هنا فصنع الطَّير:
«من بقايا دفتر وحلم مؤجَّل»
أصبح الورق محدَّدًا “من بقايا دفتر”، ولنا أن نسأل لِـماذا من بقايا دفتر؟ فهو ليس دفترًا جديدًا أو صالحًا للكتابة، فهو دفتر مرَّ عليه زمن فأتلفه أو أنَّ هناك من مزَّقه وأنهى مَهَمَّتَهُ فلم يعد صالحًا للكتابة والتَّدوين، فأيُّ يدٍ فعلت بالدَّفتر ما فعلت؟ ثمَّ “حلم مؤجَّل”، وما دام مؤجَّلًا فصاحبه على دراية وعلم بماهيَّته، وهو أشبه بالرُّؤيا والرُّؤية الَّتي لم يحن تحقُّقها بعد بفعل التَّأجيل، وليست الرُّؤية مجرَّد نظر، بل إبصار الآتي عبر صفحة الغيب، فهي رؤيا كرؤيا إبراهيم، عليه السَّلام، ألم يقل: {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} ، استعمل الفعل “أرى” وليس رأيت رغم أنَّه في حال يقظة مع ابنه وليس في نوم، بينما يوسف، عليه السَّلام، قال: {يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}، لم يقل أرى بل قال رأيت، وكلا الرُّؤيين تحقَّقتا، بفارق أنَّها في حال إبراهيم كان التَّحقُّق فوريًّا، فهو النَّبيُّ الشَّيخ الجليل الحكيم الـمطَّلع على الأمور العارف بها، لذا جاءه الجواب مباشرة { يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ}، وفي حال يوسف مرَّ عليها زمن طويل حَتّٰى تحقَّقت، وَحَتّٰى لا نخرج عن النَّصِّ إلى أفق مختلف، فالحلم الـمؤجَّل، أقرب إلى رؤية يوسف، عليه السَّلام، فقد كان طفلًا حين رأى، ولا يعرف ما تفسير ما رأى فلجأ إلى والده النَّبيِّ الشَّيخ الوقور مستعينًا به، فكان الجواب { لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ}، أمره بالكتمان، خوفًا عليه من إخوته، وسيمرُّ زمن طويل بين الحلم وتحقُّقه، لٰكِنَّ تأجيله ليس من ذاته، بل هناك من فرض التَّأجيل، لٰكِنَّهُ تأجيل إلى حين. ألم يشكُ محمود درويش ظلم الإخوة الأشقَّاء:
«فَمَاذَا فَعَلْتُ أَنَا يَا أَبِي؟ وَلِمَاذَا أنَا؟ أَنْتَ سَمَّيْتنِي يُوسُفًا، وَهُمُ
أَوْقعُونِيَ فِي الجُبِّ، وَاتَّهمُوا الذِّئْبَ؛ وَالذِّئْبُ أَرْحَمُ مِنْ إِخْوَتِي.. أَبَتِ!
هَلْ جَنَيْتُ عَلَى أَحَدٍ عِنْدَمَا قُلْتُ إنِّي رَأَيْتُ أَحدَ عَشَرَ كَوْكبًا، والشَّمْسَ
والقَمَرَ، رَأَيتُهُم لِي سَاجِدِينْ.».
نفس الرُّؤيا عادت ونفس ظلم الإخوة، وسيمرُّ زمن حَتّٰى تتحقَّق، وهناك بين الرُّؤيا وبين تحقُّقها جرت وتجري أحداث ووقائع منها:
«نعلّق الفكرة في الهواء،
نصفّق لطيرانها الأول،
ثم- بدافع الحبّ نفسه-
نقرّب النار
لنرى إن كانت تستحقّ البقاء».
نعلِّق الفكرة في الهواء، والهواء متحرِّك وغير ثابت، ونصفِّق لطيرانها الأوَّل، ولا بدَّ أنَّ الهواء سيحمل الفكرة، كما يحمل عبير الزَّهر، أي نشرها بعدما رفعناها وعلَّقناها في الهواء، ثمَّ نصفِّق لها.
بعد هٰذا تقف في وجهنا “ثمَّ” وهي تفيد التَّراخي في الزَّمن، وليس مباشرة، فهل هو زمن طويل؟ أم مقدار يوم أو شهر أو عام؟ وتصدمنا الجملة الاعتراضيَّة “بدافع الحبّ نفسه”، وَهٰذا الحبُّ أراه في حيِّز الشَّغف لـمعرفة النَّتيجة “نقرّب النَّار لنرى إن كانت تستحقّ البقاء”. تجربة وراء تجربة لـمعرفة هل الفكرة قابلة للحياة؟
«لسنا قتلةً بالفطرة،
نحن مجرّبون.
نحرق كي نطمئنَّ
أننا ما زلنا نملك النهاية،
وأن ما يعلو فوق أيدينا
لا يعلو علينا».
النَّار والحرق ليسا بدافع القتل، بل بدافع التَّجربة لـمعرفة علاقة الفعل بالنَّتيجة “لسنا قتلةً بالفطرة/ نحن مجرّبون”، وسواء كانت مُجَرِّبونَ بكسر الرَّاء أو فتحها فهل ذات دلالة عميقة تحمل التَّجربة في أحشائها، وتحمل وصفـ “نا” أيضًا، وفي كلا الحالين نبأ عظيم.
ويظهر أنَّ الشَّاعر على علم بأثر الفعل، لٰكِنَّهُ يريد الاطمئنان على هٰذا الأثر هل ما زال هو ما عرفه عبر التَّجارب أم تغيَّر بفعل فاعل أم أتى عليه الدَّهر فأصبح نسيًا؟ أي إنَّ حرقه وإن تشابه مع حرق الطِّفل، إلَّا أنَّه يختلف عن حرق الطِّفل بكونه منذ البدء يُدْركُ ما يريد وما يصبو إليه عكس الطِّفل الَّذي يأتي إدراكه بعد رؤية النَّتيجة، وَلِذٰلِكَ يقول: ” نحرق كي نطمئنَّ/أنَّنا ما زلنا نملك النِّهاية،/وأنَّ ما يعلو فوق أيدينا/ لا يعلو علينا”.
إذنْ، هو حرق واعٍ ومدرك لِـما يعقُب الحرق “نطمئنَّ أنَّنا ما زلنا نملك النِّهاية”، وليس هٰذا فحسب بل “وَأَنَّ ما يعلو فوق أيدينا لا يعلو علينا”، وَهٰذِهِ الجملة على قِصرها وإيجازها تحتوي على معنى جليل رفيع، فلم يقل (وأنَّ ما يعلو فوقنا)، بل (فوق أيدينا)، ونقف على كناية رائعة للباطل والحقِّ، وَهٰذِهِ مقابلة بلاغيَّة رائعة، فالباطل يعلو فوق الأيدي، بمعنى أنَّه قويٌّ، لٰكِنَّهُ رغم قوَّته لا يعلو على الحقِّ (لا يعلو علينا)، وَهٰذا يعني أنَّنا الحقُّ الَّذي يواجه الباطل، والحقُّ منصور دومًا منذ بدء التَّكوين.
«الطَّائر لا يصرخ حين يحترق،
لأنَّه يعرف:
الجناح الَّذي صُنع من وهم
لا يموت،
بل يعود فكرةً
في رأس طفلٍ آخر».
ما أشبه الطَّائر بالعنقاء، تحترق ثمَّ تنهض من الرَّماد، لٰكِنَّ نهوضها يتَّخذ شكلًا آخر، إنَّه نهوض يتجلَّى في فكرة في رأس طفل آخر.
أمَّا الجناح الَّذي صنع من وهم، فأراه حلمًا لا وهمًا، فالحلم قابل للتَّحقُّق على عكس الوهم، فهو يظلُّ وهمًا لا سبيل لتحقُّقه.
«هٰكذا يتناسل الخراب:
من يدٍ بريئة
إلى تاريخٍ محترف،
ومن شرارةٍ للتَّسلية
إلى حريقٍ يُسمَّى قدرًا».
قف قليلًا أيُّها العابر هٰذا الحيِّز، إذا استعصت عليك مصاحبة التَّخييل زمانًا، فاخمش وجه الكلام الـمرِّ مقدار رشح قطرة معنًى لم يكن من قبلُ قابلًا لمعانقة التَّشظِّي والانتشار في أحشاء الحروف الـمقبلات عصائبَ من وجعٍ يدهم خلاياك، عندها فقط ستدرك ما احتجب عنك وراء السُّطور.
“هٰكذا يتناسل الخراب:/من يدٍ بريئة/إلى تاريخٍ محترف،/ومن شرارةٍ للتَّسلية/إلى حريقٍ يُسمَّى قدرًا”.
ما الَّذي أوجب هٰذا الانزياح إلى هٰذا الفضاء؟ أهي غُصَّة في روح الشَّاعر لَـمَّا يُشْفَ منها بعد؟ أم توقُّد ذاكرة بما تحمله من قتام لم ينجلِ عبر رحلة الحياة؟ (من- إلى) ترى ما مدى امتداد الزَّمان هنا؟ اليد البريئة هي يد الطِّفل العابثة بطير الورق وحرقه، أمَّا التَّاريخ الـمحترف فهو الفعل الـمدرك، رغم أنسنة التَّاريخ هنا وجعله محترفًا، وما التَّاريخ هنا سوى مسيرة من ظلام الدَّرب إلى نور الفجر الَّذي منذ اصطدمنا بوميضه قبضنا عليه من تلابيبه وما زلنا نجرُّه ليغشى الدَّرب فلا نعود نستعير مصابيح الآخرين.
“ومن شرارةٍ للتَّسلية/إلى حريقٍ يُسمَّى قدرًا”
شرارة للتَّسلية، والتَّسلية لهو ويتضمَّن التَّرفيه، أو هي فعل ذاك الطِّفل، وهي أيضًا لهوٌ، لٰكِنْ هٰذا اللَّهو سرعان ما تحوَّل إلى حريق، فبين وَقْدِ الشَّرارة والحريق زمن قصير جِدًّا، والغالب أنَّه انتقال مباشر من الشَّرر إلى الحريق، وَهٰذا يكشف حقيقة ما أراد الطِّفل من فعله والنَّتيجة الَّتي انتهى إليها.
«وكلَّما سألنا الرَّماد:
من فعل هٰذا؟
أشارت أصابعنا
إلى طفولةٍ بعيدة
ونحن نرتدي ثياب العقلاء».
هٰذِهِ الفقرة تفسِّر ما سبق من قراءتنا، ولنتأمَّل في (الرَّماد، أصابعنا، طفولة بعيدة، العقلاء)، نسأل الرَّماد- رماد طير الورق- لٰكِنَّ الـمجيب أصابعنا (نحن) فالفعل فعلنا، فالسُّؤال إنكاريٌّ لا يحتاج جوابًا، فجوابه في طيِّه، ولعلَّ الطُّفولة البعيدة كناية عن بدء الـمسيرة، حَتّٰى بلغنا وارتدينا ثياب العقلاء، لٰكِنْ هل ثياب العقلاء الَّتي ارتدينا تعني أنَّنا عقلاء؟ ربَّما ارتديناها تقليدًا لغيرنا لنظهر على غير ما نحن عليه، ويظلُّ الـمعنى في بطن الشَّاعر.
«فليكن إذن بيانًا فلسفيًّا مكثَّفًا:
أحيانًا لا نخطئ الصِّياغة،
بل نخطئ درجة النَّار.
ما كتبته وكتبناه كان احتراقًا مفهومًا،
نارًا تُرى وتُشرح وتُحاجَج،
لٰكِنَّ الوجع الَّذي نبحث عنه
ليس في اللَّهيب،
بل في ما لا يشتعل رغم أنَّه يستحقّ».
رغم أنَّه بيان فلسفيٌّ مكثَّف، لٰكِنَّهُ واضح جدًّا، تمامًا كالاحتراق يُرى ويُشرحُ ويُحاجَجُ، وما دام يحاجج فهو قابل للنِّقاش، لٰكِنَّني أراه حُجَّة دامغة، تعرِّي من تدمغه، كونه عاريًا في الشَّمس، أمَّا الوجع الَّذي نبحث عنه فليس في النَّار بل فيما لا يحترق رغم استحقاقه الحرقَ، والوجع هنا عمره طويل، لٰكِنْ هل حقًّا نبحث عنه، أم أنَّه لشدَّة اعتيادنا عليه أصبح كأنَّه غير مرئيٍّ وغير مُدْرَكٍ؟
بِهٰذا نكون قد وصلنا العمق واقتنصنا الـمعنى الَّذي كثيرًا ما أخفاه شاعرنا في أحشاء الجمل وخلف الحروف، ونقف هنا على أن نتابع لاحقًا مع القسم الثَّالث، فرحلتنا تستحقُّ وغوصنا آتى أُكُلَهُٰ
(يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة