بين الغيبيات وصناعة الوعي: دور الأحزاب والمؤسسات السياسية والثقافية والاجتماعية والدينية
فخري هوّاش
تاريخ النشر: 20/06/26 | 8:14
لا تنهض الأمم بالانتظار، ولا تصنع مستقبلها بالتعلّق بالعصا السحرية أو الركون إلى الغيبيات وحدها. فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب التي استطاعت أن تبني حضاراتها وتحرر أوطانها وتحقق نهضتها هي الشعوب التي امتلكت مؤسسات فاعلة وقيادات واعية ومشروعات واضحة المعالم.
إن الجماهير ليست كتلة صمّاء تتحرك من تلقاء نفسها، بل تحتاج إلى من يثقفها ويعبئها وينظم طاقاتها ويوجهها نحو الأهداف الكبرى. وهنا يبرز الدور المركزي للأحزاب والمؤسسات السياسية والثقافية والاجتماعية والدينية.
فالأحزاب السياسية ليست مجرد أدوات انتخابية أو منصات للمنافسة على السلطة، بل هي مدارس لإعداد القيادات وصياغة البرامج الوطنية ورفع مستوى الوعي السياسي لدى الناس. وعندما تتخلى الأحزاب عن هذا الدور وتتحول إلى أطر بيروقراطية أو تجمعات مصالح، يتراجع حضورها وتفقد قدرتها على التأثير.
أما المؤسسات الثقافية، فهي الحاضنة الأساسية للعقل النقدي. فمن خلالها تُصاغ الهوية الوطنية، ويُصان التراث، وتُشجَّع القراءة والفنون والإبداع. والثقافة ليست ترفًا في حياة الشعوب، بل هي خط الدفاع الأول في مواجهة الجهل والتطرف والتبعية الفكرية.
وتأتي المؤسسات الاجتماعية لتجسد قيم التكافل والتضامن والمسؤولية الجماعية. فهي الأقرب إلى هموم الناس اليومية، والأقدر على رصد احتياجاتهم ومشكلاتهم، وتحويل العمل الأهلي إلى قوة مجتمعية داعمة للصمود والتنمية.
أما المؤسسات الدينية، فإن مسؤوليتها لا تقتصر على الوعظ والإرشاد، بل تمتد إلى ترسيخ القيم الأخلاقية والإنسانية، وتعزيز ثقافة العمل والعلم والانتماء. فالدين الذي يدعو إلى إعمار الأرض وإعمال العقل لا يمكن أن يكون أداة لتغييب الوعي أو تعطيل المبادرة أو الهروب من مواجهة الواقع.
إن أخطر ما تواجهه مجتمعاتنا اليوم هو اتساع الفجوة بين الخطاب والواقع، وبين الشعارات والممارسة. فالناس لا تحتاج إلى المزيد من الوعود أو الأحلام المؤجلة، بل إلى مؤسسات حية وفاعلة قادرة على إنتاج المعرفة وتنظيم الجهود وصناعة الأمل القائم على العمل.
فالأمم لا تُبنى بالمعجزات، بل بالإرادة. ولا تتقدم بالأمنيات، بل بالتخطيط. ولا تصنع مستقبلها بانتظار المخلّص، بل بإعداد الإنسان القادر على حمل مسؤولية التغيير.
وحين تؤدي الأحزاب والمؤسسات السياسية والثقافية والاجتماعية والدينية رسالتها الحقيقية، يتحول المجتمع من جمهور ينتظر إلى شعب يصنع تاريخه بيده، ويصبح الوعي قوةً قادرة على مواجهة التحديات وبناء المستقبل.
فخري هوّاش
البروة جديدة المكر





