العمران تحت القسر كيف يعيد الفلسطيني إنتاج المكان والحياة؟

رانية عقل

تاريخ النشر: 18/06/26 | 13:08

ليست الأمكنة مجرد خرائط وحدود وإسمنت. فالمكان، حين يُعاش طويلًا، يتحول إلى امتداد خفيّ للروح؛ إلى ذاكرة تمشي معنا، وإلى طريقة كاملة لفهم العالم. وفي فلسطين، لم يكن الصراع على الأرض صراعًا على الملكية وحدها، بل على شكل الحياة نفسها: كيف يُبنى البيت، أين يلعب الأطفال، كيف تتنفس الأزقة، أين تُزرع الشجرة، ومن يملك حق النظر إلى الأفق دون جدار.
لهذا، لم يكن التخطيط العمراني يومًا شأنًا هندسيًا باردًا، بل أداة قادرة على إنتاج الطمأنينة أو القلق, التماسك أو التفكك، الحياة المشتركة أو العزلة القسرية. ومن هنا، تبدو فلسطين مثالًا مكثفًا لفهم العلاقة المعقدة بين العمران والسلطة والذاكرة والصمود.
قد تبدو المسافة الزمنية شاسعة بين ابن خلدون، القادم من القرن الرابع عشر، وبين مارشال غانز. أحدهما كتب عن نشوء الدول والعمران وتحولات الاجتماع البشري في عالم ما قبل الحداثة، بينما انشغل الآخر بكيفية تحريك المجتمعات الحديثة نحو الفعل الجماعي والتغيير السياسي. ومع ذلك، فإن كليهما انطلق، بطريقة مختلفة، من السؤال ذاته تقريبًا: كيف يبقى الناس مجتمعًا حيًا وقادرًا على الفعل وسط ظروف التفكك والضغط والقهر؟
رأى ابن خلدون أن العمران لا يقوم بالحجارة وحدها، بل بما أسماه “العصبية”؛ أي تلك الروابط الخفية من الثقة والانتماء والتكافل التي تمنح الجماعة قدرتها على الاستمرار وبناء العالم من حولها. لم تكن العصبية عنده مجرد ولاء قبلي ضيق، بل طاقة اجتماعية تؤسس للتعاون والحماية والمعنى المشترك. وحين تضعف هذه الروابط، يبدأ العمران نفسه بالتصدع، حتى وإن بقيت الجدران قائمة.
وبعد قرون، سيعيد مارشال غانز طرح الفكرة ذاتها بلغة مختلفة. فالمجتمعات، في نظره، لا تتحرك عبر المعلومات المجردة أو الخطط التقنية الباردة، بل حين تنجح في بناء “قصة نحن”؛ سردية جماعية تجعل الأفراد يشعرون أن مصيرهم متشابك، وأن لديهم قدرة مشتركة على الفعل والتغيير.
من هنا، ربما يمكن قراءة “العصبية” الخلدونية بوصفها الشكل التاريخي المبكر لما يسميه غانز اليوم “قصة النحن”. فكلاهما يتحدث، في جوهره، عن القدرة الإنسانية على تحويل الجماعة من مجرد أفراد متجاورين إلى كيان حي يمتلك ذاكرة مشتركة، وإحساسًا بالانتماء، واستعدادًا للدفاع عن فضائه ومعناه.
في هذا السياق، لا يبدو المكان الفلسطيني مجرد مسرح للأحداث، بل شريكًا مباشرًا في تشكيل الاجتماع الإنساني نفسه. ففي القرى الفلسطينية التاريخية، لم يكن العمران منفصلًا عن إيقاع الطبيعة. كانت البيوت تمتد حول الساحات والحواكير، وتتشابك الحياة اليومية مع الأشجار والمواسم ومصادر المياه ومسارات المشي. لم تكن الحاكورة مجرد مساحة زراعية صغيرة، بل امتدادًا حيًا للبيت والعائلة والذاكرة؛ مساحة يتعلم فيها الأطفال أسماء النباتات، وتنتقل عبرها المعرفة البيئية الشفوية بين الأجيال دون حاجة إلى مؤسسات رسمية أو مناهج مكتوبة.
بهذا المعنى، كان العمران القروي شكلًا من أشكال “العمران العضوي” الذي ينمو تدريجيًا مع حاجات الناس وعلاقاتهم الاجتماعية، لا وفق مخططات مفصولة عن السياق الإنساني. حتى الأزقة الضيقة، وأماكن الجلوس أمام البيوت، والساحات الصغيرة، لم تكن عناصر معمارية صامتة، بل أدوات يومية لإنتاج القرب الاجتماعي والشعور بالأمان والانتماء.
لم تكن هذه القرى مثالية أو خالية من التفاوتات الاجتماعية، لكنها احتفظت بدرجة عالية من الانسجام بين الإنسان وحيزه الحيوي. وكان ذلك الانسجام جزءًا مما يمنح المجتمع قدرته على التماسك والاستمرار.
غير أن التحولات السياسية القسرية التي شهدتها فلسطين خلال القرن العشرين لم تستهدف الأرض وحدها, بل استهدفت أيضًا هذا الشكل من العمران والعلاقات التي ينتجها. فمع التهجير والاقتلاع والمصادرة، بدأت العلاقة التقليدية بين الإنسان والمكان تتعرض لتشوهات عميقة، ووجد الفلسطيني نفسه مضطرًا إلى إعادة اختراع حياته داخل فضاءات ضيقة ومفروضة عليه.

وربما يظهر ذلك بأوضح صوره في المخيمات الفلسطينية؛ تلك الأمكنة التي وُلدت بوصفها حلولًا مؤقتة، لكنها تحولت مع الزمن إلى عوالم اجتماعية كاملة. هناك، لم يعد الإنسان يملك الامتداد الأفقي الذي عرفته القرية، فبدأت الحياة ترتفع إلى الأعلى. تحولت الأسطح إلى حدائق صغيرة، وإلى أماكن للقاء وتجفيف الطعام ومراقبة السماء، بينما اكتسبت الأزقة الضيقة وظيفة تتجاوز المرور، لتصبح فضاءات مشتركة للحياة اليومية والذاكرة والتواصل.
حين ضاقت الأرض، لم يتوقف العمران الفلسطيني، بل أعاد تشكيل نفسه بوسائل بسيطة وهشة، لكنها شديدة الحيوية. وكأن المجتمع، حتى في أكثر شروطه قسوة، حاول أن يحافظ على شيء من “العصبية” الخلدونية؛ أي ذلك الإحساس بأن النجاة لا يمكن أن تكون فردية بالكامل، وأن المكان لا يبقى حيًا إلا حين يبقى الناس متصلين ببعضهم البعض.
ولم يتوقف هذا التشوه العمراني عند حدود اللجوء والاقتلاع الأول، بل امتد ليأخذ أشكالًا أخرى من التمدن القسري داخل الوطن نفسه. ففي النقب، جرت محاولة عنيفة لإعادة تشكيل المجال المفتوح الذي صاغ طويلًا نمط الحياة البدوي وعلاقته بالأرض والحركة والحرية. عبر سياسات الحصر والمصادرة، أُعيد تجميع السكان داخل بلدات إسمنتية مكتظة ومحدودة الامتداد، منفصلة عن السياق الطبيعي والاجتماعي الذي نشأت فيه المجتمعات البدوية تاريخيًا.
هنا، لم يكن الصراع على الأرض مجرد نزاع قانوني أو تخطيطي، بل صراعًا على شكل الحياة ذاته؛ على الحق في الحركة، والرعي، والامتداد، وعلى قدرة المجتمع على الحفاظ على روابطه الداخلية في مواجهة إعادة الهندسة القسرية للمكان. ولهذا، بدا الحراك الشعبي في النقب وكأنه محاولة جماعية لاستعادة “قصة النحن” في مواجهة التخطيط الكولونيالي المفروض من الأعلى؛ أي إعادة بناء المعنى الجماعي للوجود فوق الأرض، لا الاكتفاء بالدفاع عن ملكيتها المجردة.
وفي بلدات ومدن الداخل الفلسطيني، أخذت الأزمة العمرانية شكلًا مختلفًا لكنه لا يقل قسوة. فقد كبرت هذه البلدات ديموغرافيًا حتى أصبحت بحجم المدن، لكنها بقيت محاصرة بخرائط هيكلية ضيقة ومصادرات طويلة الأمد، الأمر الذي أنتج حالة معلقة بين القرية والمدينة؛ فلا هي قرية قادرة على التنفس، ولا مدينة تملك البنية التحتية والمساحات العامة والاقتصادية التي تسمح بحياة مدينية متوازنة.
في كثير من هذه البلدات، لم يعد البيت يُبنى بوصفه مشروع استقرار طبيعي، بل بوصفه معركة يومية مع الحيز الضيق. وهكذا، تحوّل ما يُسمّى رسميًا “بناءً غير مرخّص” إلى محاولة مستمرة لانتزاع حق بسيط وأساسي: أن يبقى الإنسان قريبًا من أرضه وعائلته وذاكرته، حتى ولو اضطر إلى البناء داخل شروط شبه مستحيلة.
وإذا كان الاختناق العمراني يخنق بلدات الداخل تدريجيًا، فإنه في القدس يتحول إلى مواجهة يومية ومكثفة مع المكان نفسه. هنا، لا تبدو الخرائط الهيكلية مجرد أدوات تنظيم مدني، بل وسائل لإعادة تشكيل التوازن الديموغرافي والجغرافي للمدينة، بحيث يجد الفلسطيني نفسه محاصرًا بين الجدار، وصعوبة الترخيص، وهدم البيوت، وتآكل الحيز العربي التاريخي لصالح فضاءات استيطانية متسعة ومتداخلة.
وربما يمثل مخيم شعفاط أحد أكثر النماذج قسوة لهذا التشوه العمراني المركّب؛ فضاء معلّق بين الداخل والخارج، يقع خلف الجدار لكنه يبقى ضمن الحدود البلدية الرسمية، حيث يتجاور الاكتظاظ الشديد مع الغياب المزمن للبنية التحتية والخدمات الأساسية. هناك، يبدو المخيم كأنه صورة مكثفة لعلاقة السلطة بالمكان: إدارة للحياة من دون الاعتراف الكامل بحقها في أن تعيش بكرامة.
وإذا كان مخيم شعفاط يمثل نموذجًا للاكتظاظ القسري داخل فضاء محاصر، فإن كفر عقب تكشف شكلًا آخر أكثر تعقيدًا من العنف العمراني الصامت؛ حيزًا تضخم سكانيًا بصورة هائلة في ظل غياب شبه كامل للتخطيط والبنية التحتية والخدمات العامة.
هناك، تبدو الأبراج الإسمنتية وكأنها ارتفعت بسرعة أكبر من قدرة المكان على الاحتمال؛ شوارع مكتظة، مساحات عامة شبه غائبة، وبنية تحتية منهكة. لا يظهر العنف هنا دائمًا في المنع المباشر فقط، بل أيضًا في الإهمال الطويل، وفي ترك المكان يتضخم بلا أفق عمراني أو اجتماعي متوازن؛ ذلك النوع من “العنف البطيء” الذي يتراكم عبر السنوات داخل الإسمنت والازدحام وغياب الحيز العام.
وفي أحياء القدس المختلفة، من البلدة القديمة إلى سلوان والشيخ جراح والعيسوية، يتحول البيت من مساحة خاصة للسكن إلى نقطة دفاع يومية عن الوجود نفسه. يصبح التمسك بعتبة المنزل، أو بشجرة قديمة في ساحة ضيقة، أو بدرجات حجرية حفظت أسماء أصحابها عبر الأجيال، شكلًا من أشكال حماية الذاكرة من التآكل البطيء.
هنا، تستعيد “العصبية” الخلدونية معناها الإنساني العميق؛ ليس بوصفها رابطة مغلقة، بل بوصفها شبكة حياة يومية يتشارك فيها الناس القلق والاحتمال والصمود. وفي الوقت نفسه، تتجسد “قصة النحن” التي يتحدث عنها مارشال غانز بأوضح صورها؛ إذ تتحول المبادرات الصغيرة، والأنشطة المجتمعية، وترميم المساحات المهملة، وحتى زراعة نبتة قرب جدار إسمنتي، إلى محاولات جماعية لحماية المعنى الإنساني للمدينة من التفكك والمحو الصامت.
لا يظهر العنف العمراني دائمًا في صور الهدم المباشر أو الجدران والأسلاك فقط، بل قد يتسلل بهدوء إلى تفاصيل الحياة اليومية؛ إلى غياب الشجرة، وضيق الرصيف، واختفاء الساحة العامة، وتحول الحيز المشترك إلى فراغ إسمنتي بارد لا يمنح الإنسان فرصة للتنفس أو اللقاء أو التأمل.
من هنا، لا تبدو الحديقة العامة ترفًا عمرانياً، ولا يصبح المقعد الخشبي في ظل شجرة مجرد تفصيل جمالي عابر. فهذه العناصر الصغيرة، التي تبدو هامشية في لغة التخطيط البيروقراطي، تشكل في الحقيقة جزءًا أساسيًا من كرامة الإنسان النفسية والاجتماعية.
فالحيّز العام ليس مساحة محايدة، بل المجال الذي يختبر فيه المجتمع قدرته على التشارك والظهور والطمأنينة. وفي المجتمعات التي تُحاصر عمرانيًا وتُحرم من التطور الطبيعي، يبدأ هذا الحيز بالانكماش تدريجيًا؛ تختفي الحدائق، تضيق مساحات اللعب، وتتراجع الأشجار أمام الإسمنت، ليصبح الوصول إلى الهدوء أو الطبيعة أو حتى الأفق المفتوح جزءًا من سؤال “العدالة المكانية” والحق في المدينة.
بهذا المعنى، لا تعود البيئة قضية جمالية أو ترفًا ثقافيًا فقط، بل تصبح سؤالًا يتعلق بمن يملك حق الوصول إلى الضوء والظل والهواء والسكينة. من يملك مساحة ليلعب أطفاله بأمان؟ ومن يملك حق الشعور بأن المكان يحتضنه بدل أن يضغط عليه باستمرار؟
وربما لهذا السبب تحديدًا، تتحول المبادرات المحلية الصغيرة – كزراعة حديقة تشاركية، أو ترميم ساحة مهملة، أو رسم جدارية تستعيد ذاكرة المكان، أو إنشاء مساحة لقاء آمنة لليافعين – إلى أفعال تتجاوز بعدها التجميلي المباشر. إنها محاولات هادئة لاستعادة المعنى الإنساني للحيز العام، وإعادة ترميم العلاقة المتصدعة بين الإنسان ومكانه.
في هذا السياق، لا يصبح العمل البيئي منفصلًا عن العمل المجتمعي، ولا يغدو الفن مجرد ممارسة جمالية معزولة، بل يتحول كلاهما إلى محاولة لإعادة بث الحياة في فضاءات أصابها الاختناق الطويل. وكأن المجتمع، حتى في أكثر ظروفه تضييقًا، يواصل البحث عن شق صغير يدخل منه الضوء، وعن طريقة ما ليقول إن المكان ما زال قابلًا للحياة، وإن الإنسان ما زال قادرًا على إنتاج الجمال والمعنى رغم كل شيء.
ربما لم يملك الفلسطيني دائمًا سلطة التخطيط، لكنه امتلك قدرة نادرة على إعادة خلق الحياة داخل أكثر الأمكنة قسوة. من الحاكورة، إلى زقاق المخيم، إلى خيمة النقب, إلى الأزقة المكتظة في مدن الداخل، إلى القدس التي تقاوم محوها اليومي… ظل الإنسان يحاول أن يحفظ شيئًا من المعنى؛ شجرة صغيرة، سطحًا مزروعًا، مقعدًا عند باب البيت، أو حكاية تُروى للأطفال عن قرية لم تعد موجودة على الخرائط.
وفي ذلك كله، لم يكن يدافع عن الحجر فقط، بل عن حقه في أن يبقى إنسانًا كاملًا داخل المكان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة