حفلات التخرّج… بين فرحٍ أصيل واستعراضٍ مُكلف أما آن للتخرج أن يشبه نفسه
تاريخ النشر: 18/06/26 | 8:53
في كل عام، ومع إنها الطلاب للمرحلة الثانوية، تتحوّل ساحات بعض مدارسنا إلى مسارح صاخبة تتجاوز فكرة “التخرّج” نفسها. ما يفترض أن يكون لحظة تربوية رصينة—تتويجًا لسنوات من الجهد—ينقلب أحيانًا إلى مهرجان استهلاكي: أضواء، منصّات، ملابس باهظة، وفقرات طويلة تُثقل المناسبة بدل أن تُثريها.
لا أحد يعترض على الفرح. بل إن الفرح حقّ، خصوصًا في مجتمعات تُثقلها التحديات اليومية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: متى يتحوّل الفرح إلى عبء؟ ومتى يصبح الاحتفال استعراضًا يبتعد عن جوهره؟
في كثير من مدارسنا العربية المحلية، تتداخل العائلة بالمجتمع، والنجاح الفردي يتحوّل إلى إنجاز جماعي. هذا جانب جميل لا ينبغي الاستهانة به؛ فالتخرّج هنا ليس شهادة تُسلَّم فحسب، بل لحظة اعتراف جماعي بالاجتهاد، واحتفاء بالهوية والانتماء. غير أن هذه الروح نفسها تُستغل أحيانًا لتغذية سباق غير معلن: من الأكثر أناقة؟ من الأكثر بهرجة؟ من الأكثر “إبهارًا” في الصور؟
وهنا تبدأ المشكلة. حين تُقاس قيمة المناسبة بحجم الإنفاق، تُزاح الفكرة الأساسية جانبًا. يصبح الطالب عنصرًا في مشهد مُعدّ سلفًا، لا محور الحدث. تُرهق العائلات ماديًا، وتُختزل سنوات الدراسة في دقائق من التصوير والاستعراض.
في المقابل، تميل حفلات التخرّج في كثير من الدول الأخرى إلى البساطة والتنظيم: برنامج واضح، وقت محدد، تركيز على الطالب، وعلى لحظة استلام الشهادة باعتبارها ذروة الحدث. قد تبدو هذه الحفلات أقل صخبًا، لكنها غالبًا أكثر احترامًا لمعنى الإنجاز ذاته.
لكن السؤال الأهم اليوم:
أما آن لحفلات التخرّج أن ترتقي إلى مستوى الحدث؟
أن تعود العباءة إلى معناها، لا إلى صورتها فقط؛
أن تُسلَّم الشهادات في لحظة مهيبة، تختصر سنوات من التعب والمعرفة.
أما آن أن تتحوّل المنصّة من مكانٍ للخطابات المكرورة،
إلى مساحةٍ لعرض أبحاث الطلاب وإبداعاتهم؟
أن يرى الأهل ما صنعه أبناؤهم، لا كيف ظهروا فقط؟
أما آن أن نُكرّم المواهب الإبداعية التي برزت بين الخريجين،
لا أن نكتفي بتكريم أصحاب المعدلات وحدهم؟
أن نحتفي بمن كتب، ورسم، وابتكر، وغنّى، وبادر؟
أما آن أن تُعرض قصص النجاح والأبحاث العلمية والمشاريع التربوية والتطوعية
التي أنجزها الطلاب،
والتي ساهمت في اسم المدرسة والبلد،
وفي تحويل التعليم من مادةٍ إلى رسالة؟
أما آن أن يُكرَّم الطالب الخلوق،
ذاك الذي لم تصنعه العلامات،
بل صنعته القيم؟
ليست القضية في تقليل الفرح، بل في تعميقه.
أن ننتقل من احتفالٍ بالسطح، إلى احتفاءٍ بالجوهر.
أن نصنع ذاكرةً حقيقية، لا ألبوم صورٍ منسي.
التخرّج ليس ليلةً عابرة،
بل مرآة لسنواتٍ من التعلّم.
فإما أن نعكس فيها المعنى…
أو نكتفي بالضوء.
فخري هوّاش
البروة / جديدة المكر




