رافع حلبي وإنسانية البحث عن السلام
بقلم: د. سليم رويحة
تاريخ النشر: 15/06/26 | 14:20
سلامٌ يتجاوز الحدود
– في زمن تتعمق فيه جروح النزاعات وتتشعب طرق الاختلاف، كان للقلم أن يفعل ما
تعجز عنه السيوف. في الخامس عشر من مايو الماضي، اتخذ مجلس إدارة الأكاديمية
الدولية للسلام وحقوق الإنسان في الاتحاد الأوروبي قراراً تجاوز كونه مجرد منح
شهادة، ليصبح رسالةً إلى العالم أن العلم رسالة إنسانية لا تعترف بالجدران، وأن السلام
أفقٌ مفتوح لكل من امتلك شجاعة البحث فيه لحظة فارقة.
نخبة من أساتذة الأكاديمية الدولية للسلام وحقوق الأنسان في الاتحاد الأوروبي إضافة
الى العديد من خبراء العلاقات الدولية أجازوا بحثاً لم يقرأ الصراع من زاويته التقليدية،
لكنه غاص في أعماق التركيب الاجتماعي والنفسي للمنطقة الأكثر تعقيداً في العالم.
كان الباحث رافع خيري حلبي هو المواطن الإسرائيلي الأول الذي ينال هذه الدرجة من الأكاديمية، حيث وقف على أعتاب إنجاز لم يكن أكاديمياً فحسب، لكنه وجودياً بامتياز ينتقل من الصراع إلى السلام جاء عنوان أطروحته كاشفًا: “من الصراع إلى السّلام: تحليل إنساني بنيوي لجذور النزاعات ونظريات السلام في العلاقات الدولية”.
لم يكن العنوان مجرد صياغة بروتوكولية، بل خريطة طريق لمن يريد فهم كيف تتحول
الخلافات إلى حروب، وكيف يمكن للوعي البشري أن يعيد توجيه تلك الطاقة المدمرة
نحو بناء مشترك.
اعتمد الباحث منهجاً تحليلياً تركيبياً فريداً، مزج فيه بين العوامل الاجتماعية في الشرق
الأوسط والعوامل النفسية التي تظل، في غالب الأحيان، خلف الستار. قدم إطاراً تحليلياً
إنسانياً يهدف إلى تطوير نظريات السلام ومنع النزاعات، ليصل إلى صيغة عملية لسلام مستدام.
لم يبدأ رافع حلبي بحثه من لحظة النزاع الراهنة، بل تعقب مفهوم السلام منذ فجر التاريخ. تنقل بين الفلسفة اليونانية في مدرستي أفلاطون وأرسطو، متأملاً كيف نظر الحكيمان إلى العدالة كشرط للسلام، لا كمجرد غياب للحرب. ثم حطّ في حضارة حمورابي، حيث كانت المدونات القانونية أول محاولة بشرية لتنظيم الصراع عبر النص المكتوب. أما الرحلة إلى الفلسفة الفرعونية فكانت تأملاً في مفهوم “ماعت” ذلك النظام الكوني القائم على التوازن والحق، والذي لم يكن المصري القديم يراه مجرد فكرة دينية، بل أساساً لسلام الأرض والسماء. ثم امتدت النظرة إلى الحضارة الصينية،
حيث وجد حلبي في مفهوم “لين واليانغ” وتعاليم كونفوشيوس حول الانسجام الاجتماعي، أرضية خصبة لمقاربة السلام كحالة توازن ديناميكي لا سكون مميت. في
فصل مميز عن “مفهوم السلام في حضارات الشرق”, أثبت الباحث أن السلام لم يكن حلماً طوباوياً، بل تجربة حية عاشتها الأمم، كلٌ بلغتها وقيمها.
لقد كان أسلافنا أكثر جرأة منا في تخيل التعايش، ربما كان أعمق ما في البحث هو تلك المقاربة التي لم تكتفِ بالتنظير الفلسفي، لكنها نزلت إلى التجربة الإنسانية الحية. فالسلام، كما يراه حلبي، ليس حالة غياب الحرب فقط، بل هو بناء يومي، علاقات صغيرة تتراكم، تفاهمات خفية تحدث بين الأشخاص قبل أن تحدث بين الدول. إنه “فلسفة تمارس في الحارة والسوق والمقهى”، كما ورد في إحدى صفحات الأطروحة.
دلالات اللحظة أن يحصل باحث إسرائيلي على درجة الدكتوراه من أكاديمية دولية للسلام وحقوق الإنسان، في سورية لا تزال تشتعل فيها نيران الصراع، هذه ليست مصادفة. إنها إعلان أن الفضاء الأكاديمي يمكن أن يكون المنطقة العازلة التي تفصل
بين البشر ووحشيتهم، وأن العلم حين يكون صادقاً، فهو أقدر الأدوات على نبش جذور
الصراع من عمق التربة. لقد حاز رافع حلبي على حقوق هذه الدرجة وامتيازاتها، لكن
الامتياز الحقيقي الذي ناله هو أن يكون اسمه مقترناً بجسر أقيم حيث كان يظن الجميع
أنه لا يعبر إلا الهاوية.
يبقى السؤال: هل سيُقرأ هذا البحث كما يستحق؟ هل ستصل رسالته إلى صناع القرار
قبل أن تصل إلى طلاب الجامعات؟ المجهول كبير، لكن الثابت أن كلمات كهذه، مكتوبة
بتلك الجرأة والعمق، لا يمكن أن تذهب أدراج الرياح. فالسلام الحقيقي يبدأ عندما يقرر
إنسان أن يفهم “الآخر” ، لا أن يلغيه. وهذا بالضبط ما فعله رافع حلبي. ليرفع القادمون راية البحث عن السلام، وليعلموا أن الطريق طويل، لكن هناك من بدأ السير.






