قراءة في نصّ “حين يصبح الهدوء خيانة” للكاتبة رانية مرجية

بقلم د. عادل جوده من العراق

تاريخ النشر: 15/06/26 | 12:45

بيان الغضب والكرامة المستردة
في هذا النص الباذخ بالوجع، والمشحون بوعيٍ حاد، لا تكتب رانية مرجية مجرد قصيدة أو مقالة؛ بل تفجّر بيانًا ثوريًا ضد التخدير الأخلاقي، وتصوغ مانيفستو يرفض تحويل الضحية إلى كائنٍ مهادن يُطلب منه أن “يتأدب في حزنه”.

النص ينبض بالحرقة الصادقة، ويتجاوز حدود الكلمات ليتحول إلى صرخة وجودية ترفض “أقنعة الحكمة المزيفة” التي يحاول العالم فرضها على الجرحى.

البنية الدلالية والموضوعية: تفكيك المفاهيم السائدة
تشتغل الكاتبة في هذا النص على قلب المفاهيم وتجريدها من قداستها المزيفة، ويمكن تقسيم هذه القراءة الفلسفية والأدبية إلى ثلاثة محاور رئيسية:

١- الهدوء كأداة للجريمة (تفكيك الزيف)

تبدأ الكاتبة بكسر التابو الأخلاقي الذي يرى في الصبر والهدوء فضيلتين مطلقين.

في لحظات الظلم، يتحول “الهدوء” في نظر مرجية من سكينة إلى آلية تواطؤ، واستسلام يرتدي ثياب الحكمة. إنه اللغة التي تُمرر من خلالها الجرائم ويُحجب بها الدم. الكاتبة تكشف هنا العوار الأخلاقي للمراقبين الذين يطالبون الضحية بـ “العدّ للعشرة”، بينما المقصلة لا تتوقف عن العمل.

٢- ثنائية (أبناء الجرح) و(مراقب المأساة)

ترسم الكاتبة حدًا فاصلًا وقاسيًا بين فئتين:
أبناء الجرح: الذين يحملون الأسماء في ذاكرتهم، ويعيشون المأساة كواقع يومي ونفسي لا يزول.

المراقبون: الذين يستهلكون الألم عبر “نشرات الأخبار” و”شاشات التلفزة”، ويتعاطفون مؤقتًا ثم يمضون إلى يومهم العادي. هذا التشريح النفسي لجمهور الشاشات يُعري “الاستعراض الأخلاقي” الذي لا يغير من واقع الضحية شيئًا.

٣- غائية الغضب (الدفاع عن المعنى)

المعادلة الأجمل في النص تكمن في إعادة الاعتبار للغضب والصراخ. فالغضب هنا ليس همجية أو خروجًا عن اللياقة، بل هو “الوجه الأخير للكرامة” و**”دفاعٌ عن المعنى”**. حين يُراد للموت أن يصبح مجرد رقم، يأتي الصراخ ليعيد للموت جلاله، وللإنسان آدميته.

الجماليات الأسلوبية واللغوية
الإيقاع الرافض والتكرار النفيي: استخدمت الكاتبة أسلوب النهي والتكرار لـ (لا تطلبوا، لا تقولوا، لا تعطونا) ليمنح النص وتيرة متصاعدة من الرفض.

هذا التكرار يخلق نبضًا متسارعًا يشبه ضربات القلب الغاضبة.
المجازات النحتية القاسية: استعارات مثل “مواعظ تطلب من الجرح أن يتأدب”، “التخدير الأخلاقي”، “مناديل الكلام المعسول”، و*”الزينة التي تُعلّق على أبواب الكارثة”*.

هي صور مشحونة بالتهكم المرير والعمق الفلسفي، تضرب في عمق النفاق الإنساني والسياسي.

المقابلة والطباق الصادم: المفارقة بين (الحكمة/ الجريمة)، (الصبر/ المقصلة)، (المواساة/ الزينة). هذه الثنائيات وضعت القارئ أمام حقيقة عارية لا تقبل القسمة على اثنين.

خاتمة:

انحياز مطلق للحقيقة
“لأن الحقيقة لا تحتاج إلى همس… ولأن الكرامة، حين تُحاصر، ترفع صوتها.”

تختم رانية مرجية نصها بقاعدة ذهبية؛ فالهمس في مواجهة الكارثة جبن، والحياد في مواجهة الظلم شراكة فيه. نصٌّ مؤثر، حاد كالمشرط، يُوقظ الوعي الإنساني من غيبوبته، ويعيد ترتيب الأولويات الأخلاقية: حين يكون الخيار بين هدوءٍ متواطئ وصراخٍ شريف، فإن الصراخ هو الأمانة الوحيدة المتبقية للذاكرة.

تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹

حين يصبح الهدوء خيانة

رانية مرجية

لا تطلبوا منّا أن نهدأ.

لا تطلبوا منّا أن نعدّ للعشرة،
ولا للواحد،
ولا أن نفتّش بين الأنقاض عن حكمةٍ تصل دائمًا بعد فوات الأوان.

لسنا رهبانَ عزلةٍ
يتأملون الخراب من بعيد،
ولا حرّاسَ صبرٍ أبديّ
يحوّلون الألم إلى فضيلة.

نحن أبناءُ الجرح.

ذلك الجرح الذي كلما ظنّوه قد التأم
عاد وانفتح في وجه الحقيقة،
وكلما غطّوه بطبقاتٍ من التبرير
نهض من تحتها
كشاهدٍ يرفض الصمت.

لا تقولوا: «اهدأوا».

فالهدوء الذي تعرضونه علينا
ليس سلامًا،
بل استسلامٌ يرتدي ثياب الحكمة.

هو اللغة التي تُخفى بها الجرائم،
والستارة التي يُحجب بها الدم،
والنصيحة التي تُمنح دائمًا للضحية
ولا تُمنح للجلاد.

نحن لا نريد أن نهدأ.

نريد أن نصرخ.

أن نحرّر أصواتنا من ثقل الصمت،
وأن نكسر تلك اللغة المصقولة
التي تخفي المأساة خلف المصطلحات،
والظلم خلف البيانات،
والموت خلف الأرقام.

لا تعطونا مناديل الكلام المعسول.

فالكلمات التي لا تردّ حقًا،
ولا توقف ظلمًا،
ولا تنحاز إلى الحقيقة،
ليست مواساةً،
بل زينةٌ تُعلّق على أبواب الكارثة.

ولا تلوّحوا بتعاطفكم المؤقت.

أنتم لا تحملون الأحزان،
بل تراقبونها.

تحصون الضحايا في نشرات الأخبار،
وتنقلون المآسي من شاشةٍ إلى أخرى،
ثم تمضون إلى يومكم العادي.

أما نحن،
فنحمل أسماءهم في ذاكرتنا،
وأصواتهم في ليلنا،
وأسئلتهم التي لا تجد جوابًا.

لا تقولوا: «اصبروا».

فالصبر لا يوقف المقصلة،
ولا يردع يدًا اعتادت البطش،
ولا يفتح بابًا أُغلق بالخوف.

الصبر فضيلةٌ أمام قسوة القدر،
أما أمام الظلم
فقد يصبح ذريعةً لإطالته.

لا نريد خطبًا تتقن تفسير الهزائم،
ولا مواعظَ تطلب من الجرح أن يتأدب،
ولا جرعاتٍ جديدةً من التخدير الأخلاقي.

نريد الحقيقة.

عاريةً من الحسابات السياسية،
ومن الأقنعة الإعلامية،
ومن التبريرات الجاهزة.

نريدها كما هي:

واضحةً،
ومؤلمةً،
وقادرةً على أن تُربك الجميع.

لا تطلبوا منّا أن نهدأ.

فثمّة لحظاتٌ
يصبح فيها الغضب
الوجه الأخير للكرامة.

وثمّة صرخاتٌ
ليست خروجًا على الحكمة،
بل دفاعًا عن المعنى.

وثمّة أزمنةٌ
لا يكون الصمت فيها فضيلة،
بل شراكةً غير معلنة مع الظلم.

لذلك لا تطلبوا منّا الهدوء.

ففي بعض اللحظات
يصبح الهدوء خيانةً للجرح،
وخيانةً للذاكرة،
وخيانةً لأولئك الذين رحلوا
وهم ينتظرون كلمةَ حقٍّ
أعجز الخوفُ كثيرين عن قولها.

لأن الحقيقة لا تحتاج إلى همس.

ولأن الكرامة،
حين تُحاصر،
ترفع صوتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة