حين يصبح الهدوء خيانة

رانية مرجية

تاريخ النشر: 15/06/26 | 12:42

لا تطلبوا منّا أن نهدأ.

لا تطلبوا منّا أن نعدّ للعشرة،
ولا للواحد،
ولا أن نفتّش بين الأنقاض عن حكمةٍ تصل دائمًا بعد فوات الأوان.

لسنا رهبانَ عزلةٍ
يتأملون الخراب من بعيد،
ولا حرّاسَ صبرٍ أبديّ
يحوّلون الألم إلى فضيلة.

نحن أبناءُ الجرح.

ذلك الجرح الذي كلما ظنّوه قد التأم
عاد وانفتح في وجه الحقيقة،
وكلما غطّوه بطبقاتٍ من التبرير
نهض من تحتها
كشاهدٍ يرفض الصمت.

لا تقولوا: «اهدأوا».

فالهدوء الذي تعرضونه علينا
ليس سلامًا،
بل استسلامٌ يرتدي ثياب الحكمة.

هو اللغة التي تُخفى بها الجرائم،
والستارة التي يُحجب بها الدم،
والنصيحة التي تُمنح دائمًا للضحية
ولا تُمنح للجلاد.

نحن لا نريد أن نهدأ.

نريد أن نصرخ.

أن نحرّر أصواتنا من ثقل الصمت،
وأن نكسر تلك اللغة المصقولة
التي تخفي المأساة خلف المصطلحات،
والظلم خلف البيانات،
والموت خلف الأرقام.

لا تعطونا مناديل الكلام المعسول.

فالكلمات التي لا تردّ حقًا،
ولا توقف ظلمًا،
ولا تنحاز إلى الحقيقة،
ليست مواساةً،
بل زينةٌ تُعلّق على أبواب الكارثة.

ولا تلوّحوا بتعاطفكم المؤقت.

أنتم لا تحملون الأحزان،
بل تراقبونها.

تحصون الضحايا في نشرات الأخبار،
وتنقلون المآسي من شاشةٍ إلى أخرى،
ثم تمضون إلى يومكم العادي.

أما نحن،
فنحمل أسماءهم في ذاكرتنا،
وأصواتهم في ليلنا،
وأسئلتهم التي لا تجد جوابًا.

لا تقولوا: «اصبروا».

فالصبر لا يوقف المقصلة،
ولا يردع يدًا اعتادت البطش،
ولا يفتح بابًا أُغلق بالخوف.

الصبر فضيلةٌ أمام قسوة القدر،
أما أمام الظلم
فقد يصبح ذريعةً لإطالته.

لا نريد خطبًا تتقن تفسير الهزائم،
ولا مواعظَ تطلب من الجرح أن يتأدب،
ولا جرعاتٍ جديدةً من التخدير الأخلاقي.

نريد الحقيقة.

عاريةً من الحسابات السياسية،
ومن الأقنعة الإعلامية،
ومن التبريرات الجاهزة.

نريدها كما هي:

واضحةً،
ومؤلمةً،
وقادرةً على أن تُربك الجميع.

لا تطلبوا منّا أن نهدأ.

فثمّة لحظاتٌ
يصبح فيها الغضب
الوجه الأخير للكرامة.

وثمّة صرخاتٌ
ليست خروجًا على الحكمة،
بل دفاعًا عن المعنى.

وثمّة أزمنةٌ
لا يكون الصمت فيها فضيلة،
بل شراكةً غير معلنة مع الظلم.

لذلك لا تطلبوا منّا الهدوء.

ففي بعض اللحظات
يصبح الهدوء خيانةً للجرح،
وخيانةً للذاكرة،
وخيانةً لأولئك الذين رحلوا
وهم ينتظرون كلمةَ حقٍّ
أعجز الخوفُ كثيرين عن قولها.

لأن الحقيقة لا تحتاج إلى همس.

ولأن الكرامة،
حين تُحاصر،
ترفع صوتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة