د. غزال أبو ريا يتساءل: هل يقف العالم على أعتاب مرحلة جديدة تنتقل فيها البشرية من “تورنير الحرب” إلى “تورنير كأس العالم”؟
تاريخ النشر: 15/06/26 | 12:36
في ظل التطورات السياسية المتسارعة التي يشهدها العالم، وفي مقدمتها الحديث عن تفاهمات واتفاقات بين الولايات المتحدة وإيران، طرح د. غزال أبو ريا، مدير المركز القطري للوساطة والسلم الأهلي وتسوية النزاعات، تساؤلًا حول ما إذا كانت البشرية تقف أمام بداية مرحلة جديدة تنتقل فيها من منطق الحروب والصراعات إلى منطق الحوار والتسويات والتنمية.
وأشار أبو ريا إلى أن التاريخ الإنساني أثبت أن الحروب، مهما بلغت حدتها، تنتهي في نهاية المطاف إلى طاولة المفاوضات، وأن القوة العسكرية قد تحقق نتائج مؤقتة، لكنها لا تستطيع وحدها بناء سلام دائم أو توفير الاستقرار للشعوب. وأضاف أن الحوار والاعتراف المتبادل بالحقوق يظلان الأساس الحقيقي لتحقيق الأمن والتنمية.
وأوضح أن التجربة العالمية بعد الحرب العالمية الثانية تمثل نموذجًا مهمًا في هذا السياق، حيث أدركت الدول والشعوب حجم الخسائر التي خلفتها الحروب، فاتجهت نحو بناء المؤسسات الدولية وتعزيز التعاون الاقتصادي وإعادة الإعمار، الأمر الذي ساهم في تحقيق فترات طويلة من النمو والاستقرار في العديد من مناطق العالم.
وأضاف أبو ريا أن العالم يواجه اليوم تحديات كبيرة تتعلق بالاقتصاد والفقر والبطالة والتغيرات المناخية والتطور التكنولوجي، وهي قضايا تحتاج إلى تعاون دولي واستثمار في الإنسان والمعرفة، أكثر من حاجتها إلى سباقات التسلح والصراعات العسكرية.
وفي هذا الإطار، قارن أبو ريا بين “تورنير الحرب” و”تورنير كأس العالم”، موضحًا أن الحرب تقوم على الصراع وإقصاء الآخر، بينما تقوم الرياضة على التنافس الشريف والإبداع والالتزام بقواعد مشتركة. وأكد أن الانتقال من ثقافة الصراع إلى ثقافة التنافس الحضاري والاقتصادي والرياضي من شأنه أن يفتح آفاقًا جديدة أمام الشعوب لتحقيق التقدم والازدهار.
كما تساءل أبو ريا عما إذا كانت الولايات المتحدة تتجه نحو تغيير مستديم في سياساتها، بحيث تعطي أولوية أكبر للدبلوماسية والتنمية الاقتصادية والشراكات الدولية، بدل الاعتماد على القوة العسكرية كأداة رئيسية في إدارة الأزمات الدولية. وأشار إلى وجود توجهات متزايدة داخل المجتمع الأمريكي تدعو إلى التركيز على القضايا الداخلية، مثل الاقتصاد والتعليم والبنية التحتية والتكنولوجيا، وهو ما قد يؤثر مستقبلًا على طبيعة الدور الأمريكي في العالم.
وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، أكد أبو ريا أن أي تحول عالمي نحو ثقافة الحوار والتسويات السياسية العادلة يمكن أن يساهم في تعزيز فرص الوصول إلى حل عادل ودائم للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، قائم على الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، إلى جانب تحقيق الأمن والسلام لجميع شعوب المنطقة.
وشدد أبو ريا على أن السلام الحقيقي لا يقوم على انتصار طرف على آخر، بل على العدالة والكرامة الإنسانية والاعتراف المتبادل بالحقوق، مؤكدًا أهمية نشر ثقافة الوساطة والسلم الأهلي والحوار كوسائل حضارية لمعالجة النزاعات وتعزيز التماسك المجتمعي.
واختتم أبو ريا بالقول إن العالم قد لا يكون قد وصل بعد إلى هذه المرحلة الجديدة، إلا أن المؤشرات الحالية تدعو إلى التأمل والتفاؤل الحذر. وأضاف: “لعل الإنسانية تتجه تدريجيًا نحو مرحلة يكون فيها التنافس على التنمية والابتكار والازدهار بدلًا من الحروب والدمار، وعندها فقط يمكن الحديث عن انتقال حقيقي من تورنير الحرب إلى تورنير كأس العالم، ومن ثقافة القوة إلى ثقافة الحياة والحوار والتفاهم بين الشعوب”.




