فنان فلسطيني بالميدان 100: ناظم شريدي.. رائد السينما والمسرح الذي صاغ الذاكرة البصرية وصنع الهوية الفلسطينية
اسامة المصري
تاريخ النشر: 15/06/26 | 17:04
ناظم شريدي.. رائد السينما والمسرح الذي صاغ الذاكرة البصرية وصنع الهوية الفلسطينية
*تُشكل مسيرة المخرج والكاتب والسيناريست الفلسطيني ناظم شريدي علامة فارقة واستثنائية في المشهد الثقافي والفني، محليًا ودوليًا. يُعد شريدي من الرعيل الأول وصناع السينما الفلسطينية الفاعلة؛ إذ يُصنف تاريخيًا كواحد من أول ثلاثة مخرجين فلسطينيين (إلى جانب ميشيل خليفي وعلي نصار) الذين درسوا الإخراج السينمائي منذ أواسط السبعينيات في كبرى الأكاديميات السينمائية الأوروبية، ليؤسسوا بفكرهم وأدواتهم الأكاديمية ما يُعرف اليوم بالسينما الفلسطينية الملتزمة.
على مدار عقود من العطاء، استطاع شريدي أن يوازن برؤية ثاقبة بين شاشة التلفزيون، وفضاء السينما الروائية والوثائقية، وخشبة المسرح، مقدمًا أعمالاً حفرت اسمًا عميقًا في الوجدان الثقافي الجمعي.
#النشأة والجذور المسرحية الأولى (1951 – 1975)
ولد الفنان ناظم شريدي في مدينة “أم الفحم” عام 1951، ويقيم منذ 27 عامًا في مدينة حيفا. بدأت رحلته الإبداعية الحقيقية ما بين عامي 1970 و1975، حيث اتجه إلى دراسة المسرح في تل أبيب، وتتلمذ خلال تلك الفترة على يد الممثل المشهور الراحل “نيسيم عزيكري”.
خلال تلك السنوات الخمس، برزت موهبته التمثيلية حيث شارك كممثل في العديد من الأفلام، كان أبرزها فيلم “الموزة السوداء” للمخرج بنيامين حاييم. بالتزامن مع ذلك، انخرط شريدي في الحركة الفنية الوطنية والسياسية، فعمل ممثلاً في عدة مسرحيات وطنية حظيت بدعم الحزب الشيوعي في أم الفحم، كان من أبرزها مسرحية تتمحور حول “مجزرة كفر قاسم”، وعُرضت هذه المسرحيات في منطقة المثلث وفي مختلف المناسبات الوطنية والسياسية الحاشدة.
#المرحلة الأكاديمية في براغ والانطلاقة السينمائية الأولى (1975 – 1985):
في عام 1975، انتقل شريدي إلى أوروبا لبدء مرحلة التكوين الأكاديمي السينمائي، وتحديدًا في العاصمة التشيكية براغ، حيث درس الإخراج السينمائي والتلفزيوني وكتابة السيناريو في أكاديمية السينما والتلفزيون العليا العريقة “فامو” (FAMU) في تشيكوسلوفاكيا (سابقًا)، واستمرت دراسته هناك حتى عام 1982.
#الماجستير والأطروحة التاريخية (1982): نال درجة الماجستير في إخراج فيلم التخرج، بالإضافة إلى أطروحته النظرية البارزة التي حملت عنوان “نظرة نقدية في السينما العربية”، وهي أطروحة نقديّة هامة ما زالت تُدرّس حتى يومنا هذا في الأكاديمية نفسها كمرجع لطلبة السينما.
#العمل الأكاديمي والتلفزيوني في براغ (1982 – 1985): تقديرًا لكفاءته، عمل شريدي مدرسًا في أكاديمية “فامو” نفسها ضمن برنامج دورات سينمائية تخصصية نظمتها الأكاديمية للطلاب الوافدين من مختلف الدول العربية. وخلال هذه الفترة أيضًا، عمل مخرجًا في التلفزيون التشيكي، حيث كتب وأخرج فيلمًا هامًا تناول موضوع الحرب الأهلية في لبنان.
#الأعمال الإبداعية المكتوبة والمخرجة خلال فترة دراسته الأكاديمية في براغ:
*عام 1978: فيلم “أي مستقبل يريدون”، وهو عمل وثائقي يسلط الضوء على حياة ومعاناة الطلاب الأجانب المغتربين في تشيكوسلوفاكيا.
*عام 1978: فيلم “الرقص”، وهو فيلم تلفزيوني يستعرض الرقص كقيمة إنسانية وأهميته للبشر من جميع الأجيال.
*عام 1980: فيلم “مسرح ديسك”.
*عام 1982: فيلم التخرج “فامو” (FAMU)، وهو فيلم يوثق تاريخ وتطور أكاديمية السينما في براغ، ومثّل هذا الفيلم الأكاديمية رسمياً في العديد من مهرجانات المدارس السينمائية الدولية وحصد جوائز عدة.
#العودة الأولى للوطن وفيلم “نداء الجذور” التاريخي (1985):
في عام 1985، عاد ناظم شريدي إلى الوطن حاملاً أدواته السينمائية الاحترافية. وبالتعاون مع “مركز إحياء التراث” في طيبة المثلث، التقى بالأديب والأستاذ فتحي فوراني، وصاغا معًا سيناريو فيلم “نداء الجذور” الذي تولى شريدي إخراجه.
تمحور الفيلم حول سياسات طمس وتدنيس التراث والثقافة الفلسطينية. وفي تلك الحقبة، شكّل الفيلم حدثًا استثنائيًا؛ إذ كان ثاني فيلم فلسطيني ينتج بالكامل على أيدي فلسطينيين من الداخل (عرب 48). واعتبره النقاد السينمائيون – بعد فيلم “الذاكرة الخصبة” للمخرج ميشيل خليفي – علامة فارقة ومؤسسة في تاريخ السينما الفلسطينية. وقد عُرض الفيلم على نطاق واسع في جميع المخيمات الفلسطينية، وفي الداخل، والشتات، تاركًا أثرًا سياسيًا وثقافيًا عميقًا.
#اللقب الثالث وخماسية “صيف فلسطيني حار” (1987 – 1992):
لم يكتفِ شريدي بما حققه، فعاد إلى براغ في الفترة ما بين 1987 و1990 لإكمال دراساته العليا في أكاديمية “فامو”، مكللاً مسيرته بالحصول على اللقب الثالث (الدكتوراه) تقييمًا وتميزًا لأعماله. وخلال هذه المرحلة، تعاون مهنيًا مع التلفزيون الألماني والتلفزيون التشيكي.
وفي عام 1987، كتب وأخرج خماسيته السينمائية الشهيرة والضخمة “صيف فلسطيني حار”، المكونة من خمسة أفلام وثائقية (مدة كل فيلم 50 دقيقة)، وتمحورت الخماسية بالكامل حول الأسباب العميقة والدوافع السياسية والاجتماعية التي أدت إلى انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية الأولى. وضمت الخماسية الأفلام التالية:
1. فيلم “غيتو الدهيشة”: وتناول من خلاله حصار مخيم الدهيشة ومعاناة لاجئيه.
2. فيلم “أسوار القدس الحديدية”: وسلط الضوء على سياسات استيلاء المستوطنين على بيوت المقدسيين في البلدة القديمة.
3. فيلم “لفتا ما بين الحلم والذاكرة”: ووثق فيه قصة قرية لفتا المهجرة قضاء القدس وحلم العودة.
4. فيلم “المدينة المحاصرة”: وتمحور حول مسقط رأسه مدينة أم الفحم والتصدي لزيارة اليميني المتطرف كاهانا.
5. فيلم “موسم الخصب”: واستعرض فيه مواسم الزيتون في فلسطين باعتبارها رمزًا لترسخ الإنسان في أرضه.
#المشاركات الدولية والجوائز لخماسية “صيف فلسطيني حار”:
شاركت حلقات هذه الخماسية كأفلام مستقلة في كبرى المهرجانات السينمائية الدولية عام 1988 وما بعده، وحصدت اعترافًا دوليًا وجوائز رفيعة، منها:
*مهرجان (فروتسلاف) في بولونيا (1988).
*مهرجان (كارلوفي فاري) السينمائي الدولي في جمهورية التشيك، ونال فيه الفيلم جائزة “قضايا السلم والاشتراكية”.
*مهرجان (لايبزك) للأفلام الوثائقية في ألمانيا.
*مهرجان القاهرة السينمائي الدولي (1988).
*مهرجان الأفلام القصيرة في ميونخ، ألمانيا.
*مهرجان الأفلام الحرة “(يونسو) في فنلندا.
*مهرجان دمشق السينمائي الدولي في سوريا، وحصل فيه على جائزة الجمهور.
*مهرجان السينما العالمية في طهران، إيران.
*مهرجان السينما الفلسطينية في غزة، ومهرجان السينما الفلسطينية في القدس.
#العودة النهائية والتأسيس لسينما ومسرح الوطن (1993):
في عام 1993، عاد المخرج ناظم شريدي نهائيًا إلى أرض الوطن، وبادر فورًا بتنظيم أمسيات سينمائية خاصة في أم الفحم وعارة، كان هدفها إطلاع الجمهور المحلي على الأعمال السينمائية العربية الملتزمة والجادة. وفي العام نفسه، كتب وأخرج الفيلم السينمائي القصير “تصبح على خير يا وطن” (من إنتاج غفعات حبيبة)، وجسد بطولته الفنانون: راضي شحادة، وفاء شريدي، ومنار شهاب. بالتزامن مع ذلك، بدأ بتقديم دورات استكمالية للمعلمين والمربيات في موضوع وسائل التواصل الإعلامي الجماهيري ضمن المشروع الثقافي.
#العصر الذهبي في التلفزيون التربوي والإنتاج التلفزيوني (1993 – 2018):
توجت مسيرته المهنية المحلية بتعيينه في التلفزيون التربوي بدور مخرج مسؤول، حيث عمل لمدة 25 عامًا متواصلة في قسم الأطفال والشباب. وخلال ربع قرن، كتب وأخرج عشرات البرامج، الأفلام، والمسلسلات باللغتين العربية والعبرية، متميزًا بقيادة مشاريع فنية ضخمة جمعت أبرز الممثلين والإعلاميين العرب واليهود، محققًا محتوى قيميًا وتربويًا عالي الجودة الفنية. ومن أبرز محطات هذه الحقبة:
*عام 1996: كتابة وإخراج مسلسل تلفزيوني (10 حلقات) حول موضوع “الحذر على الطرق”، بطولة راضي شحادة وسعيد سلامة.
*عام 1997: كتابة وإخراج فيلم “صور من الذاكرة” (بطولة راضي شحادة). واختارته لجنة التلفزيون التعليمي ليمثل البلاد في مهرجانات دولية، منها مهرجان “بريكس جينيس” الدولي لبرامج الأطفال والشباب في ميونخ (ألمانيا)، ومهرجان الأفلام القصيرة في طوكيو (اليابان)، وحصد خلالها جوائز تقديرية رفيعة.
*برنامج “مشوار الجمعة”: إخراج برنامج منوعات للأطفال في الجيل المبكر، قدمه الفنان أسامة مصري والفنانة نسرين فاعور، وميلاد مطر، لتقديم المعرفة الرصينة للصغار.
#التوسع السينمائي والوثائقي في الألفية الجديدة:
واصل شريدي إنتاجه السينمائي المستقل مواكبًا تطورات العصر:
*فيلم “هاي بلادي وهاي الدار” (2007): فيلم وثائقي طويل من تأليفه وإخراجه، شارك في أربعة مهرجانات عالمية بارزة: مهرجان الجزيرة الوثائقي (قطر)، مهرجان الأرض في سردينيا (إيطاليا)، ومهرجان الأفلام الفلسطينية في مالمو (السويد).
*فيلم “السلفي الأخير” (2017): فيلم روائي طويل من تأليفه وإخراجه، وإنتاج “مركز الألفية للحواس” في أم الفحم، ناقش فيه قضايا مجتمعية برؤية سينمائية حديثة.
#الإخراج الموسيقي والرقمي: أخرج 10 أغاني بطريقة الفيديو كليب للمطرب المعروف رائد كبها، كما واكب عصر الرقمنة بإخراج 10 حلقات للأطفال مخصصة لليوتيوب تحت عنوان “نيسانة وعبقور”.
#أبو الفنون_خشبة المسرح كفضاء للحرية والتتويج:
يمتلك ناظم شريدي سجلًا مسرحيًا حافلاً يشمل كتابة وإخراج 12 مسرحية، تنقلت بين مسارح بارزة وتوجت بجوائز كبرى، وتتوزع أعماله كالتالي:
*عام 1995: مسرحية “الشاطر حسن” لمسرح “جبينة” في حيفا، والتي حظيت بإقبال جماهيري لافت.
*عام 2002: مسرحية “عين المجنونة”؛ حيث نال الجائزة الثانية في مسابقة كتابة النصوص المسرحية العربية التي نظمها مسرح “الميدان”.
*عام 2007: مونودراما “حرية” (تمثيل إياد شيتي) – نص وإخراج مميز يحاكي القيود الإنسانية.
*مسرح الغربال (شفاعمرو): أثرى شريدي هذا المسرح بكتابة وإخراج أربع مسرحيات تميزت بطابعها الفني، وهي: “مدينة الأحلام”، “الغلطة الأخيرة”، و”أبو النور”.
*مسرح السراج (شفاعمرو): قدّم له أعمالاً متميزة وهي: “الفخ”، “أبو عيد”، و”خطر نت”.
*مسرحية “سابع أرض”: من إنتاج مسرح السراج، شاركت في **مهرجان “مسرحيد” عكا (2023) وحصلت على جوائز رفيعة تشمل: جائزة أفضل ديكور، وجائزة أفضل إضاءة.
*عام 2021: كتابة وإخراج وإنتاج مسرحية “نور” (تمثيل شروق حجازي)، وحصدت في مهرجان “مسرحيد” عكا “جائزة الجمهور” و”جائزة أفضل ممثلة واعدة”.
#الحضور النقابي والأكاديمي والتربوي:
إلى جانب بصمته الفنية الإبداعية، يحمل ناظم شريدي ثقلاً مهنيًا ونقابيًا يعكس تقدير المؤسسات لمسيرته؛ حيث انضم عام 2000 إلى نقابة المخرجين السينمائيين والتلفزيونيين في البلاد، وتم قبوله عضوًا في نقابة الأكاديمية الإسرائيلية للسينما، وهو أيضًا عضو في نقابة الصحفيين.
ولم يبخل بخبرته الأكاديمية الكبيرة، حيث عمل محاضرًا في موضوع وسائل التواصل الإعلامي ضمن دورات استكمالية مخصصة للمعلمين والمربيات في البلاد، مساهمًا بفعالية في تطوير الوعي البصري والإعلامي في الحقل التربوي والتعليمي.
#خلاصة:
إن مسيرة المخرج الدكتور ناظم شريدي هي رحلة فريدة من الشغف والالتزام الوطني والمهني. تنقل فيها بسلاسة وعبقرية بين الريادة السينمائية كواحد من أوائل الأكاديميين الفلسطينيين، والإخراج التلفزيوني الموجه، والسينما الوثائقية والروائية الجادة التي وثقت محطات تاريخية هامة كالانتفاضة وتدنيس التراث، والمسرح النبيل المحمل بالجوائز. يظل اسم ناظم شريدي محفورًا كأحد أبرز أعمدة الثقافة وصناع الذاكرة البصرية المعاصرة.




