قراءة تأويلية في قصيدة «عن السقوط أتحدث» للشاعر طارق عون الله
بقلم: رانية مرجية
تاريخ النشر: 14/06/26 | 13:02
السقوط من الوهم… حين يصبح الانكشاف شكلًا من أشكال النجاة
ليست القصيدة التي بين أيدينا تأملًا في السقوط بقدر ما هي إعادة تأسيس لمعناه. فالشاعر طارق عون الله لا يتعامل مع السقوط بوصفه لحظة انكسار أو هزيمة، وإنما بوصفه لحظة كشف كبرى، تتعرّى فيها الحقائق من زيفها، وتتساقط الأقنعة عن الوجوه والأفكار والعلاقات. ومن هنا تنبع قوة النص؛ إذ ينقل المفهوم من دلالته الحركية المباشرة إلى فضائه الرمزي والوجودي الأوسع.
يفتتح الشاعر نصه بمفارقة لافتة: «ليس السقوط ذلك الذي نرتطم فيه بالأرض، بل ذاك الذي نرتفع فيه فجأة». ومنذ هذه اللحظة يؤسس لرؤية معاكسة للمألوف؛ فالسقوط الحقيقي لا يحدث حين تهوي الأجساد، بل حين ترتقي البصيرة إلى الحد الذي ترى معه ما كان مستترًا خلف ضباب العادة والثقة والتوقعات.
إن الارتفاع في هذا النص ليس نقيض السقوط، بل طريقه. فكلما ارتفعت الذات في مدارج التجربة، خفّت عنها الأحمال التي ظنت يومًا أنها جزء منها. لذلك لا يبدو الذين «يتدلّون من أكتافنا» مجرد أشخاص، بل رموزًا لكل ما نحمله من تصورات مسبقة عن الآخرين، ولكل الأوهام التي نمنحها أسماء الصداقة أو الوفاء أو الانتماء. وهنا تكمن إحدى أكثر طبقات النص عمقًا: نحن لا نخسر الناس في المحن بقدر ما نخسر صورهم التي صنعناها داخلنا.
وتتمركز الرؤية الشعرية للنص حول صورة «الغربال»، وهي الصورة الأكثر ثراءً وتأثيرًا في بنيته الرمزية. فالغربال لا يخلق شيئًا ولا يهدم شيئًا، بل يكشف الفوارق الكامنة بين الأشياء. ومن ثم فإن المحنة، وفق هذا التصور، ليست قوة تغيير بقدر ما هي قوة إظهار. إنها لا تصنع الخيانة ولا تصنع الوفاء، وإنما تمنح كلًّا منهما فرصة الظهور.
لهذا يخاطب الشاعر الغربال بوصفه سلطة أخلاقية محايدة: «ما أبهى عدلك القاسي». إنها عبارة تختزل جوهر النص كله؛ فالعدالة هنا لا تعاقب ولا تنتقم، بل ترفع الغطاء عن الحقيقة. ومن اللافت أن الشاعر يتجنب خطاب الإدانة المباشرة، فلا يضع نفسه في موقع القاضي، بل يترك الزمن والمواقف يتوليان مهمة الكشف. وهذا ما يمنح القصيدة بعدًا إنسانيًا راقيًا، يبتعد عن الشماتة ويقترب من الحكمة.
وعندما ينتقل النص إلى البعد السياسي، فإنه لا يغادر أفقه التأويلي، بل يوسعه. فالسقوط السياسي ليس سقوط أنظمة أو أفراد فحسب، وإنما سقوط الأقنعة الأخلاقية أمام لحظات الاختبار الكبرى. ففي الأزمنة العادية يمكن للمواقف أن تتوارى خلف المجاملة أو الحذر أو المصالح، أما في أزمنة العواصف فإن الحقائق تخرج من مناطقها الرمادية إلى وضوحها الحاسم. لذلك تبدو عبارة «حين لا يعود للحياد معنى» إشارة إلى لحظة تاريخية وأخلاقية يصبح فيها الصمت موقفًا بحد ذاته.
غير أن القصيدة تبلغ ذروتها الفكرية حين تفكك العلاقة التقليدية بين السقوط والهزيمة، وبين البقاء والانتصار. فليس كل من سقط خاسرًا، وليس كل من بقي منتصرًا. إن معيار القيمة في النص ليس القدرة على البقاء، بل القدرة على الاحتفاظ بالجوهر. ولهذا فإن من يبقى بعد الغربلة ليس الأقوى ولا الأكثر نفوذًا، بل الأكثر صدقًا والأشد التصاقًا بمعناه الإنساني.
ومن هنا يكتسب المقطع الختامي جماله الخاص. فالوحدة التي تُقدَّم عادة بوصفها نقصًا تتحول إلى حالة من الصفاء. والدرب الذي كان مزدحمًا بالأسماء يصبح أكثر نقاءً بعد أن يغادره العابرون. والقلب الذي ظن أن كثرة الرفاق علامة غنى، يكتشف أن الطمأنينة تبدأ حين يتخفف من الضجيج.
إن السقوط في هذه القصيدة ليس سقوطًا من علوّ، بل سقوط من الوهم. وليس فقدًا للآخرين بقدر ما هو استرداد للذات. فبعد كل غربلة حقيقية لا يكتشف الإنسان من بقي معه فقط، بل يكتشف من أصبح هو.
وهنا تكمن القيمة الجمالية والفكرية للنص؛ إذ يحوّل المحنة من حدث مؤلم إلى لحظة معرفة، ويحوّل الخسارة إلى شكل من أشكال النجاة، ويمنح السقوط معنى نادرًا: أن يكون الطريق الأكثر قسوة نحو الحقيقة، والأكثر صدقًا نحو الذات




