الكتابة الإبداعية… حين نداوي الجرح بالحبر

بقلم: رانية مرجية

تاريخ النشر: 13/06/26 | 8:41

هل جرّبتم يومًا أن تكتبوا بدل أن تصرخوا؟

أن تمسكوا قلمًا بدل أن تكسروا شيئًا في داخلكم؟

أن تفرغوا قلوبكم على صفحة بيضاء بدل أن تتركوها تختنق في عتمة لا يسمعكم فيها أحد؟

الكتابة الإبداعية، كما أفهمها، ليست ترفًا ثقافيًا، ولا هواية عابرة، ولا استعراضًا للغة والمفردات.

إنها فعل نجاة.

ليست ما أفعله فحسب، بل ما يبقيني على قيد الضوء كلما حاولت العتمة أن تتسع.

حين أكتب، لا أروي حكاية فقط.

أمدّ يدي إلى جرح قديم، أتأمله بهدوء، أنظف أطرافه من غبار السنين، وأمنحه ما حُرم منه طويلًا: الاعتراف.

فالجرح الذي يُكتب عنه، يتوقف عن مطاردتنا في الخفاء.

وحين أكتب، لا أداوي نفسي وحدي، بل أحتضن كل ما عجزت عن احتضانه يومًا.

أحتضن الكلمات التي بقيت عالقة في الحلق، والمشاعر التي تأخرت كثيرًا عن موعدها، والوجوه التي مرّت في حياتي تاركة أثرها دون أن تعرف.

أحتضن الغائبين الذين ما زالت أرواحهم تسكن الذاكرة، وأقترب من أولئك الذين أحببتهم ولم أعرف كيف أقول لهم إنني كنت بحاجة إلى قربهم أكثر مما ظنوا.

الكتابة علاج صامت، لكنه يملك صوتًا لا يُخطئه القلب.

هي مساحة آمنة نقول فيها كل شيء دون خوف من حكم الآخرين، ونبكي دون أن يرانا أحد، ونعترف بما عجزنا عن الاعتراف به في مواجهة الحياة.

في الكتابة، نستعيد أنفسنا قطعةً قطعة.

نلملم ما بعثرته الأيام، ونمنح آلامنا أسماءً، لأن الألم المجهول أكثر قسوة من الألم المفهوم.

أنا لا أكتب لأنني قوية.

أكتب لأتذكر أنني، رغم كل شيء، لم أنكسر بالكامل.

أكتب لأحافظ على تلك المساحة المضيئة داخلي، حيث ما زالت هناك امرأة تؤمن بأن السقوط ليس نهاية الطريق، وأن الروح قادرة على النهوض كلما وجدت من يصغي إليها… حتى لو كان هذا الإصغاء صفحة بيضاء.

لقد علّمتني الكتابة أن أتعامل مع نفسي برفق.

أن أنظر إلى خوفي كما أنظر إلى طفل مرتبك يبحث عن الأمان.

أربّت على كتفه، وأهمس له: لا بأس… سوف نعبر هذا أيضًا.

ثم أصدق تلك الكلمات، لا لأنها سهلة، بل لأنها ضرورية للاستمرار.

وأحيانًا، حين أكتب، أشعر أن الحبر يتحول إلى ذراعين.

أعانق بهما من أحببت، ومن افتقدت، ومن حالت بيننا المسافات أو الظروف أو الصمت.

أعانقهم كما يشتهي القلب، لا كما تسمح الحياة.

لهذا أؤمن أن الكتابة ليست مجدًا شخصيًا، ولا منصةً للظهور.

إنها حضن.

حضن نصنعه لأنفسنا حين تضيق بنا الطرق، ونلجأ إليه حين نعجز عن إيجاد الكلمات المناسبة في العالم الخارجي.

هي أن تفرغ ما يثقل صدرك في السطور، ثم تنظر إلى نفسك بهدوء وتقول:

“لقد نجوتُ مرة أخرى.”

ولهذا سأكتب.

سأكتب كلما ضاقت المسافة بيني وبين الانكسار.

سأكتب كلما احتجت أن أتذكر من أكون.

سأكتب لأن الكتابة لم تكن يومًا هروبًا من الحياة، بل طريقة للعودة إليها أكثر صدقًا واتساعًا.

فامسكوا أقلامكم…

واكتبوا.

اكتبوا ما تخشون قوله.

اكتبوا ما فقدتموه وما وجدتموه.

اكتبوا ما يؤلمكم وما يمنحكم الأمل.

فمن لا يجد كتفًا يسند إليه تعبه، قد يجد في الورق قلبًا يصغي إليه.

ومن لا يجد من يحتضنه، قد يجد بين السطور حضنًا لا يخذله أبدًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة