المرحوم القاضي فارس فلاح أبو زايد… رائد الوساطة وقاضي السلم الأهلي وقاضي الفقراء
بقلم: د. غزال أبو ريا
تاريخ النشر: 12/06/26 | 11:10
عندما نتحدث عن ثقافة الوساطة والإصلاح في مجتمعنا، لا بد أن نستذكر المرحوم القاضي فارس فلاح أبو زايد، الذي ترك بصمة مميزة في عالم القضاء والعمل المجتمعي، وجمع بين هيبة القاضي وحكمة المصلح، وبين تطبيق القانون والحرص على ترميم العلاقات الإنسانية وحماية النسيج الاجتماعي.
لقد بدأت الوساطة الحديثة تأخذ مكانتها المؤسسية في الولايات المتحدة الأمريكية خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، في ظل تنامي الحاجة إلى إيجاد بدائل أكثر مرونة وإنسانية من المحاكم لحل النزاعات. وجاء مؤتمر روزكو باوند عام 1976 ليشكل محطة مفصلية في تطوير بدائل تسوية النزاعات، حيث تعززت مكانة الوساطة كوسيلة ناجعة لتقريب وجهات النظر والوصول إلى حلول توافقية تحفظ مصالح الأطراف وتخفف العبء عن المحاكم.
ومع انتشار هذا النهج في المحاكم والمؤسسات التعليمية وأماكن العمل والمجتمعات المحلية، أصبحت الوساطة إحدى أهم الأدوات الحديثة لتعزيز التفاهم المجتمعي وإدارة الخلافات بصورة بناءة. إلا أن قيم الوساطة لم تكن غريبة عن مجتمعنا العربي، الذي عرف منذ أجيال طويلة الصلح والإصلاح ولجان الوفاق والجاهات والسعي إلى رأب الصدع بين الناس.
وفي هذا السياق برز المرحوم القاضي فارس فلاح أبو زايد كواحد من أوائل القضاة في البلاد الذين أدركوا أهمية الوساطة والحوار في معالجة النزاعات. فقد آمن بأن العدالة الحقيقية لا تقتصر على إصدار الأحكام، بل تشمل أيضًا المساهمة في إعادة بناء الثقة بين الأطراف المتخاصمة والحفاظ على العلاقات الإنسانية والاجتماعية كلما كان ذلك ممكنًا في إطار القانون.
وكان يرى أن القاضي لا يؤدي رسالته كاملة إذا اكتفى بالفصل بين الخصوم، بل عليه أن يسعى أيضًا إلى تقريب وجهات النظر وتشجيع الحلول التوافقية التي تحقق العدالة وتحفظ كرامة الإنسان. ومن هنا كان المرحوم فارس فلاح من الداعمين الأوائل لثقافة الوساطة والإصلاح، مؤمنًا بأن الحوار الصادق قادر على تحويل النزاع إلى فرصة للتفاهم والتعاون.
ولذلك استحق عن جدارة لقب “قاضي السلم الأهلي”، لأنه آمن بأن المجتمع القوي هو المجتمع القادر على إدارة خلافاته بالحوار والاحترام المتبادل، وأن السلم الأهلي يبدأ من الأسرة والحي ومكان العمل وقاعة المحكمة. كما استحق لقب “قاضي الفقراء” لما عرف عنه من تواضع وقرب من الناس وإحساس عميق بمعاناة البسطاء، فكان يتعامل مع الجميع بإنسانية واحترام، ويحرص على أن يشعر كل متقاضٍ بأن العدالة وُجدت لخدمة الإنسان وصون كرامته.
لقد كان المرحوم القاضي فارس فلاح أبو زايد نموذجًا للقاضي الذي جمع بين القانون والإنسانية، وبين العدالة والرحمة، وبين الحزم والحكمة. وقد سبق بفكره وممارسته العملية الكثير من التوجهات التي أصبحت اليوم جزءًا أساسيًا من منظومة إدارة النزاعات وتسوية الخلافات في العالم.
ومن هذا المنطلق، فإن المركز القطري للوساطة والسلم الأهلي وتسوية النزاعات، الذي أتشرف بإدارته، يرى في تجربة المرحوم القاضي فارس فلاح أبو زايد مصدر إلهام ونموذجًا يُحتذى به. فالمركز يحمل رسالة تنسجم مع القيم التي آمن بها الراحل، والمتمثلة في نشر ثقافة الحوار، وتعزيز الوساطة، وبناء الجسور بين الأفراد والجماعات، وترسيخ قيم السلم الأهلي والتماسك المجتمعي. إن ما نعمل عليه اليوم من تأهيل الوسطاء ونشر ثقافة التسوية السلمية للنزاعات هو امتداد عملي للرسالة الإنسانية والإصلاحية التي جسدها المرحوم فارس فلاح أبو زايد طوال مسيرته.
رحم الله القاضي فارس فلاح أبو زايد، وأسكنه فسيح جناته، وأبقى ذكراه الطيبة حاضرة في وجدان المجتمع، باعتباره أحد رواد العدالة الإنسانية والإصلاح المجتمعي والسلم الأهلي، وستبقى سيرته منارة تهدي العاملين في مجالات القضاء والوساطة والإصلاح إلى قيم الحكمة والعدل وخدمة الإنسان.




