ما لا يغسله الغفران

بقلم: رانية مرجية

تاريخ النشر: 12/06/26 | 10:59

يقولون: اغفري.
كأنّ الغفرانَ ماءٌ يُراقُ على الرماد،
فيعودُ الموتى إلى أسمائهم،
وتنهضُ البيوتُ من تحتِ الركام.

يقولون: اغفري.

كأنّ الدمَ إذا جفَّ
يكفُّ عن الكلام،
وكأنّ المقابرَ إذا امتلأت
تصيرُ وطنًا.

وأنا…
غفرتُ.

غفرتُ لا لأنّ الجرحَ التأم،
بل لأنّ الحقدَ أثقلُ من أن يُحملَ العمرَ كلَّه.

غفرتُ،
لأنّ قلبي تعبَ من حملِ السكاكينِ المغروسةِ في الذاكرة،
ومن عدِّ الغائبينَ عند كلِّ مساء.

لكن أخبروني:

ماذا يفعلُ الغفرانُ
بأمٍّ ما زالت ترتّبُ سريرَ ابنها
وتنتظرُ عودتَه،
وهي تعرفُ أنّ الترابَ سبَقها إليه؟

وماذا يفعلُ
بطفلٍ يبحثُ عن أبيه
في وجوهِ الشهداءِ؟

غفرتُ…

وهل يشفى وطنٌ
شربَ من دماءِ أبنائه
أكثرَ مما شربَ من المطر؟

وهل تتعلّمُ الرصاصةُ الندمَ
بعد أن تستقرَّ
في صدرِ قصيدة؟

غفرتُ لمن خانَ قلبي،
ثمّ طلبَ منّي
أن أدفنَ الحقيقةَ
تحتَ ابتسامةٍ مهذّبة.

غفرتُ،
لكنّ الدموعَ
تحفظُ أسماءَ من أوجعوها.

وغفرتُ،
غير أنّ الندوبَ
لا تقرأُ بياناتِ المصالحة.

أأصفحُ عن قاتلي؟

عن طفلٍ تُركت لعبتُه
إلى جوارِ جسدِه الصغير؟

عن مدينةٍ
تحصي شهداءَها كلَّ صباح،
كما يُحصي الفلّاحُ مواسمَ الزيتون؟

عن ليلٍ طويلٍ
كان يلمعُ فيه الموتُ
أكثرَ من النجوم؟

غفرتُ…

كما تغفرُ شجرةُ الزيتونِ للفأسِ،
لكنّها لا تنسى أثرَ الحديد.

وكما يغفرُ البحرُ للسفنِ العابرة،
لكنّه يحتفظُ في أعماقه
بكلِّ حطام.

غفرتُ للعمرِ الذي سُرق،
للرسائلِ التي لم تصل،
للأحلامِ التي ماتت على الحواجز.

غفرتُ لروحي،
لأنّها اعتذرتْ يومًا
لمن كان ينبغي أن يعتذرَ لها.

أمّا الخيانةُ،
فلا يغسلُها النسيان.

وأمّا الدمُ،
فلا تبرّئه البلاغة.

وأمّا الوطنُ،
فلا يُبنى فوق المقابر،
ولا فوق الغفران وحده.

لذلك أقول:

اغفروا إن شئتم.

لكن لا تجعلوا من الغفران
كفنًا للحقيقة.

ولا تطلبوا من المصلوب
أن يباركَ المطرقة.

فثمّة جراحٌ
كلّما نزفتْ،
أضاءت.

وثمّة ذاكرةٌ
إذا نامتْ مرّةً،
استيقظَ الظلمُ ألفَ مرّة.

لهذا…

يبقى في القلبِ شيءٌ
لا يغسله الغفران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة