قراءة في مسرحية”صمت الأرواح” لسعيد سلامة: ندوب الاقتلاع الإنساني وجماليات الفن الإيمائي بين الوطن والمنفى

سعيد العفاسي

تاريخ النشر: 11/06/26 | 11:10

تنهض مسرحية “صمت الأرواح” على رؤية إنسانية مأساوية تستلهم واحدة من أكثر القضايا إيلامًا في العصر الحديث، وهي قضية التهجير القسري والهجرة والاقتلاع من الجذور، تسعى إلى تحويل الألم الإنساني إلى خطاب جمالي بصري تتكلم فيه الأجساد حين تعجز الكلمات، وتنطق فيه الأرواح بالصمت حين يخون اللسان القدرة على التعبير ولا تكتفي بتسجيل الوقائع أو عرض المآسي، تفتتح المسرحية فضاءها الدرامي بصورة مجتمع متماسك، تسوده قيم التكافل والتراحم والتآزر، حيث تبدو الجماعة الإنسانية وكأنها نسيج واحد تتشابك خيوطه بالمحبة والتعاون، تتجلى المشاركة في الأفراح والأتراح بوصفها سلوكًا يوميًا، ويغدو الانسجام الجماعي أساسًا لتنظيم الحياة، وهذه البداية هي تأسيس دلالي لثنائية الحضور والغياب، العمران والخراب، الاستقرار والاقتلاع، فالمتلقي يرى أولًا صورة الوطن في أنقى تجلياته الإنسانية قبل أن يشهد لحظة انهياره.
ومع تطور الأحداث يتسلل الشر إلى هذا العالم الآمن، فتظهر قوى العبث والفساد التي تعمل على تمزيق النسيج الاجتماعي وبث الفرقة والخوف بين الناس، وهنا تتجاوز المسرحية حدود المكان المحدد لتصبح مرآة لمجتمعات كثيرة عصفت بها الحروب والصراعات والأطماع السياسية والاقتصادية، فالفاعل التدميري في النص يجسد كل قوة تسعى إلى تحويل الإنسان من مواطن يمتلك أرضًا وذاكرة وهوية إلى كائن تائه يبحث عن ملاذ مؤقت في عالم لا يعترف بضعفه، وتبلغ المأساة ذروتها حين يُدفع الناس إلى الرحيل، فالخروج من الوطن في المسرحية اقتلاع وجودي يطال الذاكرة والوجدان والانتماء، لذلك يبدو الرحيل أقرب إلى نزف جماعي للأرواح منه إلى حركة للأجساد، وتنجح المسرحية في إبراز هذه الفكرة من خلال صور درامية مكثفة تجعل المشاهد يلمس أنين الروح قبل أن يرى تعب الجسد، وأن يشعر بانكسار الإنسان قبل أن يشهد سقوطه المادي. ومن أعمق مستويات القراءة في هذا العمل ذلك النقد الحاد الذي يوجهه إلى شبكات الاستغلال والاتجار بالبشر، فالسمسار والجاسوس والوسيط ليسوا هم رموز لمنظومة كاملة تستثمر في البؤس الإنساني وتحول أحلام النجاة إلى سلعة تباع وتشترى، ليصبح الطريق إلى الخلاص طريقًا محفوفًا بالخديعة، ويغدو الإنسان المقهور مشروع ربح في سوق المآسي العالمية، وتستحضره المسرحية من خلال رحلات البحر والمنافي، مأساة اللاجئين والمهاجرين الذين دفعتهم الحروب والنزاعات إلى مغادرة أوطانهم، فالأحداث تستدعي صورًا من سوريا واليمن وغزة وليبيا والسودان والصومال وغيرها من مناطق العالم التي أنهكتها الصراعات. غير أن العمل لا ينحصر في جغرافيا محددة، هو يطرح سؤال الإنسان المهدد في كل مكان، ذلك الإنسان الذي يجد نفسه مضطرًا إلى الاختيار بين الموت في الوطن أو المجازفة بالموت في الطريق إليه.
شكل البحر في العرض عنصرًا رمزيًا بالغ الأهمية حيث يتحول إلى حد فاصل بين عالمين، عالم الذكريات والجذور من جهة، وعالم المجهول والانتظار من جهة أخرى. إن البحر في “صمت الأرواح” شاهد على الأحلام الغارقة، ومقبرة مفتوحة لأرواح لم تجد مكانًا آمنًا على اليابسة، ومن خلال هذا الرمز تنجح المسرحية في تكثيف مأساة آلاف المهاجرين الذين ابتلعتهم أمواج المتوسط وهم يطاردون سراب الخلاص. وعندما يصل المهجرون إلى أوروبا (المجهول) يصطدمون بواقع آخر قوامه التهميش والرفض والاغتراب، لتبرز إحدى أهم أفكار المسرحية، وهي أن المأساة لا تنتهي بمجرد الوصول إلى الضفة الأخرى، فالإنسان المقتلع يظل يحمل غربته معه أينما حلّ، ويظل أسير شعور دائم بعدم الانتماء. وتزداد أهمية هذا الطرح حين تربط المسرحية بين الهجرة الناتجة عن الحروب والهجرة الناتجة عن تفكك الأمن الاجتماعي، فالإشارة إلى ما يعانيه المجتمع العربي في الداخل من عنف وجريمة وقتل تكشف أن التهجير لا يكون دائمًا نتيجة حرب معلنة، وإنما قد يكون ثمرة خوف يومي يطرد الناس من بيوتهم ويدفعهم إلى البحث عن حياة أكثر أمنًا خارج أوطانهم. وبذلك تتسع دائرة الدلالة لتشمل كل أشكال النزوح القسري، سواء أكان سببه الرصاص أم الخوف أم انعدام الأفق.

أهم ما يميز “صمت الأرواح” على المستوى الجمالي، هو اختيارها للفن الإيمائي (البانتوميم) بوصفه لغة أساسية للعرض، فغياب الحوار يشكل خيارًا فنيًا واعيًا ينسجم مع طبيعة الموضوع، المآسي الكبرى غالبًا ما تتجاوز قدرة الكلمات على الاحتواء، لذلك يصبح الجسد أصدق من اللغة المنطوقة في نقل التجربة الإنسانية. وقد نجح العرض في توظيف ست شخصيات (علاء شرش، سهارى أبو ركن، سعيد حواري، حلا رضا، يوسف عدنان، إسلام هيبي، أحمد نظام أيوب) تتحرك تحت مراقبة شخصية القائد / الضمير، ذلك الكائن الصامت الذي يشارك الآخرين آلامهم دون أن يمتلك القدرة على تغيير مصائرهم، وتكتسب هذه الشخصية بعدًا رمزيًا عميقًا، إذ يمكن النظر إليها بوصفها ضمير الإنسانية أو شاهدًا على الخراب أو صورة للوعي الجمعي العاجز أمام اتساع المأساة. ومن خلال الإيماءة والحركة والإيقاع الجسدي، يبتكر العرض عوالم كاملة دون الحاجة إلى ديكور واقعي أو وسائل إيضاح مباشرة، فالجدار والبحر والريح والسجن والحدود كلها تنشأ من حركة الممثلين ودقة أدائهم، وهنا تتجلى قوة (البانتوميم) بوصفه فنًا يحول الخيال إلى عنصر أساسي في بناء المعنى، ويجعل المتفرج شريكًا في استكمال الصورة وتأويل الدلالة. إن مسرحية “صمت الأرواح” مرثية إنسانية كبرى لعصر تتكاثر فيه المنافي وتتراجع فيه القيم أمام منطق المصالح. وهي في الوقت ذاته صرخة فنية تؤكد أن الإنسان، مهما تعرض للقهر والاقتلاع، يظل حاملًا لذاكرته وجذوره وأحلامه. ومن خلال لغة الجسد الصامتة، ينجح العرض في تحويل الخشبة إلى فضاء للتأمل في معنى الوطن والمنفى والكرامة الإنسانية، مثبتًا أن الصمت قد يكون أبلغ من الكلام، وأن الإيماءة الصادقة قادرة على قول ما تعجز عنه الخطب والبيانات. ففي هذا العمل تتكلم الأرواح بلغة أعمق من الكلمات، لغة الألم الإنساني المشترك الذي يوحد البشر مهما اختلفت أوطانهم ومصائرهم.
في مسرحية “صمت الأرواح” تتحول السينوغرافيا التي أبدعها الفنان مروان صباح إلى بنية دراماتورجية فاعلة تنسج المعنى وتشارك في إنتاج الدلالة، وليس إلى مجرد إطار بصري يحتضن الحدث، فقد تأسست رؤيتها على ثنائية مركزية قوامها الوطن والمنفى، والاستقرار والاقتلاع، حيث بدا الفضاء المسرحي في مستهل العرض مفتوحًا ومتوازنًا، تنتظم عناصره في تناغم بصري يوحي بالطمأنينة والتكافل والتلاحم الإنساني، الخشبة صورةً لوطنٍ متماسك، تتجاور فيه الكتل والأشكال كما تتجاور الأرواح في حياة يسودها الانسجام.غير أن هذا التوازن لا يلبث أن يتصدع مع تصاعد الفعل الدرامي، فتدخل السينوغرافيا في مسار تحولي عميق يجعلها شريكًا في السرد لا مجرد خلفية له، تتشظى العناصر البصرية وتتحول إلى كائنات حية تنطق بالصمت، وتئن تحت وطأة الخراب، حتى ليبدو الوطن نفسه وهو يتداعى أمام أعين المتفرجين، ووفق هذا المنطق التحويلي، يغدو الجدار حدودًا فاصلة، ثم يتحول إلى سجن، قبل أن ينقلب السجن إلى قارب هجرة، ويتحول القارب بدوره إلى قبر جماعي يحتضن الأحلام الغارقة، كما تتحول البُقَج إلى جثامين مثقلة بذاكرة الرحيل، وتغدو الملابس المعلقة على الشباك أرواحًا غائبة/حاضرة وشهودًا على المأساة، فيما تستحيل الأقمشة شخصيات نابضة بالألم والخوف والانتظار. وهكذا ارتقت السينوغرافيا من مستوى التزيين البصري إلى مستوى الفعل الدراماتورجي، لتصبح الخشبة فضاءً رمزيًا متحولًا يعكس هشاشة المصير الإنساني، ويجسد مأساة الاقتلاع والضياع بلغة بصرية مكثفة تتجاوز حدود الكلمة إلى رحابة الصورة والإيحاء.
الموسقى في العرض المسرحي والتي أبدعها الفنان رائد أمارة، ارتقت إلى مستوى العنصر الدراماتورجي الفاعل، لتصبح صوت الأرواح التي عجزت الكلمات عن الإفصاح عما يعتمل في أعماقها، لقد بدت بعض المقاطع الموسيقية وكأنها تخاطب الوجدان مباشرة، فتتسلل إلى مناطق الشعور الخفية، وتهزّ المشاعر هزًّا عميقًا يحول التلقي من مشاهدة باردة إلى معايشة وجدانية للمأساة الإنسانية، وكان لعزف الناي حضور خاص، إذ انبعث صوته شجيًّا حزينًا، يستدعي الحنين والفقد والاقتلاع، ويخاطب الروح في أبعد تجلياتها الإنسانية، ولأن العرض قائم على فن البانتوميم، فقد تحولت الموسيقى إلى بديل للخطاب اللغوي، وإلى لغة موازية تنقل الانفعالات وتؤسس المعنى. ففي مشاهد التآزر الأولى انسابت الألحان بإيقاعات متناغمة تعكس دفء الجماعة وانسجامها، قبل أن تتشظى تدريجيًا مع تسلل الخراب، فتغدو أكثر توترًا وحدةً، معبرة عن الخوف والاضطراب. أما في مشاهد البحر والهجرة، فقد امتزجت أنات الريح وزئير العواصف وهدير الأمواج بالنسيج الموسيقي، لتشكل معادلًا سمعيًا لمعاناة المهاجرين، وعند الوصول إلى المنفى، تنكمش الموسيقى حتى تكاد تلامس الصمت، فيتحول الفراغ الصوتي ذاته إلى علامة درامية مكثفة، تجسد العزلة والانقطاع عن الجذور، وتترجم اغتراب الإنسان الذي نجا بجسده، لكنه ظل غريقًا في منفاه الروحي، حتى أن صوت الفنان علاء شرس جاء منسجما مع الخطاب الموسيقى وكأنه يحفر في العمق بحثا عن الذات المتشظية والأرواح المعلقة إلى حين، عزز ذلك كلمات الأغاني التي أبدعها الفنان نظام أيوب، لتبدو مكملة للأحداث ومعبرة عنها مع إيماءات الممثلين التي كانت ترتقي إلى أفق رمزي واع يشكل المغنى والمغزى، من جهتها شكّلت الإضاءة (ابدعاه نظام أيوب) ركيزة أساسية في بناء الخطاب البصري، متجاوزةً وظيفتها التقنية التقليدية بوصفها أداة للإنارة، لتغدو لغة دراماتورجية موازية للنص والحركة والإيماءة، فقد أسهمت في إنتاج المعنى وتوجيه التلقي، من خلال تشكيل فضاءات شعورية تتبدل بتبدل مسار الأحداث وتحولات الشخصيات.في المشاهد الأولى، انسابت الإضاءة بهدوء واتزان، ناشرةً إحساسًا بالأمان والدفء الاجتماعي، ومعززة صورة الجماعة المتماسكة التي تقوم على قيم التآزر والتكافل. غير أن هذا الصفاء البصري سرعان ما بدأ يتصدع مع تصاعد الأزمة الدرامية، حيث انقسم الفضاء إلى مناطق متجاورة من النور والظل، وتكاثرت البقع الضوئية الحادة التي أوحت بخطرٍ يتربص بالشخصيات، في محاكاة بصرية لانقسام المجتمع وتفكك نسيجه الإنساني. أما في مشاهد البحر والهجرة، فقد تحولت الإضاءة إلى عنصر حيّ نابض بالحركة، تحاكي تموجات الأمواج واضطراب الرحلة المجهولة، فسيطرت درجات الأزرق البارد على الخشبة، مولّدة أجواءً من القلق والترقب والخوف، كما أسهمت الإضاءة الخلفية في تحويل الأجساد إلى ظلال بشرية باهتة الملامح، بما ينسجم مع فكرة فقدان الهوية والانتماء التي تلازم تجربة التهجير. ومع ذلك، كان بالإمكان منح شخصية القائد/الضمير معالجة ضوئية أكثر تميزًا، عبر إحاطتها بهالة خاصة تفصلها بصريًا عن بقية الشخصيات، فتجعلها حاضرة بينهم وغريبة عنهم في آن واحد، باعتبارها تجسيدًا للوعي الإنساني والشاهد الصامت على اتساع المأساة وعجز الإنسان أمامها.
فيمت تحولت الملابس إلى عنصر دراماتورجي فاعل أسهم في بناء المعنى وتجسيد التحولات النفسية والوجودية التي تعصف بالشخوص، وقد قامت رؤيتها الجمالية على الانتقال من الهوية إلى اللاتحديد، حيث اكتسبت الأزياء دلالاتها من علاقتها بالضوء والحركة والسياق الدرامي، فبدت في كل مشهد وكأنها تعيد إنتاج ذاتها وفقًا لتحولات المصير الإنساني الذي يرويه العرض. ومع تصاعد المأساة، ساعدت المعالجة الضوئية على إبراز الرمزية الكامنة في الألوان والأنسجة، لتصبح الملابس شريكًا في التعبير عن القلق والخوف والاقتلاع، غير أن الدلالة كان يمكن أن تتعمق أكثر لو تعرضت الأزياء لتحول تدريجي يواكب رحلة المعاناة؛ فتتمزق أطرافها أو تتسخ ملامحها شيئًا فشيئًا، (شأنها شأن البقج) وكأنها تسجل بصريًا آثار الرحيل القسري وتآكل الإحساس بالأمان والانتماء. وفي المقابل، كان من الممكن أن يُمنح القائد/الضمير لباسًا أكثر حيادًا، يميل إلى البياض الباهت أو الألوان المنطفئة، ليجسد حضوره الأخلاقي والرمزي بوصفه شاهدًا على الخراب. فهو ضمير يقظ يدرك حجم الكارثة، ويحاول مقاومتها، غير أن فعله يظل حبيس الوعي والتمني، عاجزًا عن تغيير المصائر، فيغدو حضوره تجسيدًا لمأساة الإنسان الذي يرى الانهيار ولا يملك سوى الشهادة عليه.
لقد أبدع الفنان والمخرج سعيد سلامة في صياغة اللغة الحركية لمسرحية “صمت الأرواح”، حيث نجح في تدريب الممثلين على بناء عرض يقوم على الانسجام والاختلاف في آن واحد، فتشكلت الأجساد كأنها أوركسترا بصرية تتنفس بإيقاع واحد حينًا، وتتبعثر إلى أصوات فردية متألمة حينًا آخر. ولأن الفن الإيمائي يشكل القلب النابض لهذا العمل، فقد تحول الجسد إلى نص درامي موازٍ للكلمات الغائبة، إلى لغة أكثر قدرة على احتضان الألم الإنساني وتجسيد هشاشة المصير. وقد تأسست الدراماتورجيا الحركية على انتقال مدروس من الحركة الجماعية المتناغمة إلى الحركة الفردية الممزقة، فمن توحد الأجساد ضمن إيقاع بصري منسجم يعكس قيم التآزر والتكافل، إلى حرك الشخصيات كأنها كيان واحد يجسد وحدة المجتمع وتماسكه. غير أن هذا الانسجام يبدأ بالتصدع مع تسلل الخوف والعنف، فتتباعد المسافات بين الأجساد وتتسارع الإيقاعات الحركية، لتصبح الحركة نفسها مرآة للتفكك الاجتماعي والانهيار النفسي. وفي مشاهد الهجرة تبلغ اللغة الجسدية ذروة تعبيرها الدرامي؛ إذ تنحني الأجساد تحت ثقل الذاكرة والخوف، وتتمدد الأذرع نحو الأفق البعيد في صورة تختزل توق الإنسان إلى النجاة والخلاص، تتحول الأجسادهم إلى أمواج متلاطمة تارة، وإلى قوة غامضة تبتلع المهاجرين أو تدفعهم نحو المجهول تارة أخرى. وهكذا يغدو الجسد في “صمت الأرواح” فضاءً للمعنى، ووعاءً لذاكرة الألم، ولسانًا ناطقًا بما تعجز الكلمات عن قوله، لقد فن الإيماء في العرض محاكاة الواقع أو تجسيد الشخصيات إلى خلق أشياء وأماكن وعوالم متخيلة لا وجود ماديًا لها على خشبة المسرح، فالممثل البانتوميمي في”صمت الأرواح” نجح في توهيم الجمهور بوجود جدار أو باب أو ريح أو حبل أو فضاء كامل من خلال دقة الحركة والأداء خصوص منه الجماعي، وهنا تتجلى القيمة الجمالية لهذا الفن، حيث يتحول الخيال إلى عنصر أساسي في بناء العرض، ويتحول المتفرج من متلقٍّ سلبي إلى شريك في إنتاج المعنى واستكمال الصورة. ويتطلب البانتوميم تكوينًا جسديًا ونفسيًا صارمًا، إذ يحتاج الممثل إلى التحكم الكامل في عضلاته وتوازناته وإيقاع حركاته، فضلاً عن امتلاكه حسًّا دراميًا عاليًا يمكنه من التعبير عن أدق الانفعالات الإنسانية، فالصمت في العرض المسرحي حضورًا مكثفًا للمعنى، والحركة تتجاوز الانتقال الميكانيكي في الفضاء، إلى خطاب بصري متكامل يحمل شحنات دلالية وجمالية عميقة، وفي السياق المسرحي المعاصر، وقد أبرز سعيد سلامة من خلال إدارته لشخوص”صمت الأرواح” حضور فن لم يألفه الجمهور، واستطاع أن يواكب تحولات النص الثقافية والاجتماعية والسياسية والنفسية والتكنولوجية، من خلال تفاعله مع الجسد والرقص المعاصر وفنون الأداء البصري، ليصل معنى العرض واضحا، في افق أن يصبح وسيلة فعالة في التربية والتكوين والتواصل، لما يتيحه من إمكانات في تنمية التعبير الذاتي وتعزيز القدرات الإبداعية والتواصلية. لإن فن البانتوميم يذكّرنا بأن الإنسان كان يتواصل بالحركة قبل أن يتكلم، وبأن الجسد يظلُّ أحد أكثر الوسائط صدقًا في التعبير عن المشاعر والتجارب الإنسانية. لذلك يبقى هذا الفن شاهدًا على قدرة الصمت على الكلام، وعلى إمكانية أن تتحول الإيماءة البسيطة إلى قصيدة بصرية تنبض بالحياة والمعنى.
عرضت مسرحية “صمت الأرواح” مساء يوم الأربعاء 10 يمونيو/ حزيران الجاري بالمسرح العربي أم الفحم، بحضور نخبة من الفنانين المسرحين والمهتمين بالشأن المسرحي والثقافي والفني، من إنتاج المسرح العربي-أم الفحم، فكرة العرض المسرحي وتدريب وإخراج الفنان سعيد سلامة، كلمات الأغاني نظام أيوب، موسيقى رائد أمارة، إضاءة نظام أيوب، مصمم ومنفذ الديكور مروان صباح، مصممة ومنفذة الملابس مارلين حسون طافش، التمثيل: علاء شرش، سهارى أبو ركن، سعيد حواري، حلا رضا، يوسف عدنان، إسلام هيبي، أحمد نظام أيوب، مساعدة مخرج ومديرة إنتاج إليان فرانش، ملابس ومكياج هبة إغبارية، تصوير فوتوغرافي وليد حمدان، تصوير فيديو موفق عودة، مونتاج صدى للإنتاج، مؤسس ومدير عام المسرح العربي محمد صالح إغبارية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة