بين النُّخب وحَمَلة الهمّ العامّ خطاب مفتوح إلى “النُّخب” الدرزيّة السوريّة
سعيد نفّاع
تاريخ النشر: 11/06/26 | 8:27
وقفات على المفارق
*الوقفة الأولى.. مع النُّخب وحَمَلة الهمّ العامّ.
حقيقة شغلتني كثيرًا هذه المُفردة – النُّخب – واستفزّتني، وشغلني أكثر السؤال: “من هم مُطلِقوها؟” خصوصًا وأنّها عادة من “عنديّات” أصحابها؛ ساسة، أو ممّن اصطلح أن يُسمّوا مثقّفين على اختلاف مجالاتهم، أو الـ “طابقين” في المقدّرات البشريّة. في سياق وقفاتي هذه رحت أفتّش فوجدت: “النُّخب: تشير لغةً إلى صفوة القوم وخيارهم وما تمّ اختياره وانتقاؤه بعناية. (مَن المُختار ومن المُنتقي؟!). وفي العلوم الاجتماعية والسياسية، تُطلق على الأقلية التي تمتلك التأثير الأكبر والموارد الأضخم وتتولّى توجيه المجتمع في مجالات السياسة، الثقافة، الاقتصاد، أو الفكر.”
النُّخب حسب إيماني هم: حَمَلة الهمّ العامّ – خصوصًا ونحن نحيا زمنًا من الانكفاء نحو الذات – بدءًا بالأيادي الخشنة من حَملة المكانس والمحاريث والمطارق وانتهاء بنواعم الأيادي من حَمَلة الأقلام وَ “لبّيسة” ساعات الروليكس، وبين هؤلاء وأولئك أهل بيوت الله. وبغضّ النظر فلا خير في أيّ منهم إن لم يكن الهمّ العامّ، عملًا لا تنظيرًا ولا وعظًا، جزءًا من الحِمْل الحياتي الثقيل أصلًا في أوطاننا، فـ “درهم عمل خير من قنطار وعظ”، وإن كان لدى الأُوَل عذرًا في بعض الحالات، فلدى الأُخَر لا أعذار في كلّ الحالات وهم من سأقف معهم في وقفاتي هذه، اللّهم إلّا روّاد بلاط الحكّام منهم!
*الوقفة الثانية.. مع عودة لـ “الربيع العربي”.
كان ملاحظًا أنّه بدءًا من إشعال البوعزيزي النار في جسده في سيدي بو زيد التونسيّة، ومرورًا بـ “زنقات” طرابلس وبنغازي في ليبيا، وانتهاء بميدان رابعة في قاهرة مصر، أنّ النُّخب القلميّة أو على الأقلّ غالبيّتها لم تختلف في الموقف الداعم لأهل سيدي بوزيد والزنقات وميدان رابعة. اختلطت الأمور لاحقًا وعينيّا حين هبّت الرياح في سورية إذ دخلت على الخطّ المواقف في ومن المحاور الشرق أوسطيّة، فانقسمت النُّخب؛ العربيّة والسوريّة بين نارين أو هكذا بدا. غير أن نارًا أخرى كان يعلو أوارها لا بل يُعلّى أوارها وراء هؤلاء وأولئك وبين ظهراني البعض أحيانًا – المدّ الإسلامويّ – حتّى بلغ لهيبها الحدّ الذي أحرق ياسمين الأقلام الشاميّة وإن اختلف مدادُها.
*الوقفة الثالثة.. ودروز سورية والأقلام.
تابعتُ الرياح السوريّة متابعة لصيقة منذ هبوبها؛ سوريّا عامّا وَ “درزيّا سوريًا” من منطلقات عدّة، ومنها متابعة الدور الخطِر الذي لعبته المؤسّسة الإسرائيليّة وزلمها بين دروز إسرائيل في الأزمة السوريّة بشكل عام والسويداء بشكل خاص والذي أتى أُكُله السامّة أكثر ممّا خطر على البال. دروز سورية يعيشون اليوم محنة من أصعب المحن التي واجهوها على مدى تاريخهم، خصوصًا وأنّ إسقاطاتها تطال كلّ الدروز في الصميم وأبعد كثيرًا من حدود الجبل وسورية. أتابعها اليوم بطرق شتّى وإحداها عبر مداد أقلام نُخبهم القلميّة، هذه النُّخب تحترق بين نيران شتّى؛ نار مذابح تمّوز، ونار تخلّي غالبيّة رفاقهم في “الثورة” من المكوّن السنّي عنهم، ونار إسرائيل وزلمها في الـ “باشان الإسرائيلي”، ونار تخبّطهم الملاحظ في أطروحاتهم من على شتّى المنابر. يجد المرء من خلال الاستماع إلى مداخلاتهم المرئيّة وقراءة مداخلاتهم الكتابيّة أنّه على الغالب ما زالوا في دور التشخيص وبعدُ لم يتخطّوه؛ البعض المقيم في الـ “باشان الإسرائيلي” حذر ومتحفّظ، والآخر المقيم خارجًا أكثر انفتاحًا، وذلك الذي في بلاد الاغتراب أكثر جرأة.
*الوقفة الرابعة.. وبين المطرقة والسندان.
يُلاحظ من خلال متابعة العشرات من النّخب القلميّة الدرزيّة السوريّة أنّها عروبيّة الهوى قوميّة الانتماء وطنيّة التطلّعات، لكن طريقها وعرة في تثبيت هذه الثوابت. فمطرقة إسرائيل وزلمها هنا وفي الجبل تضرب بكلّ قوّة وسندان الحكم في دمشق يتلقّف، حسب تشخيص غالبيّتهم، ضربات المطرقة بأريحيّة، ورفاق الأمس لا يرون إلّا المطرقة.
أمّا والحال هكذا، فما الذي يغيب في الأطروحات ويجب ألّا يغيب؟!
_ أوّلا: مذابح تمّوز ما كانت لتتمّ لولا لم تطلق أميركا وإسرائيل أيادي السلطة السورية من باكو يوم 12 تمّوز 2025، وترى البعض يقف عند المذابح – المدانة طبعًا – ويختزل كلّ موقف بدور سلطة دمشق بها دون النظر أو على الأقلّ إعطاء الوزن النوعيّ لما سبقها، ولنا في بيان الهجري المرحّب عشيّة “الغزو” ورجوعه عنه لاحقًا بالقول: “لقد كنت أُجبرت على البيان الأوّل”، لنا فيه القول الفصل، إذ مَن القادر على إجباره غير إسرائيل وزبانيتها؟! وكون “العتمة لم تأتِ على قدر يد الحرامي” لا يبرّر اختزال المواقف بالنتيجة، وكلّ من يختزل المواقف من الأزمة بـ “الغزو” يخطئ ويخطّئ!
_ ثانيًا: الخيار هو بين فكّ الخناق، كأفضليّة أولى، عن أهل الجبل؛ المهجّرين والمحتاجين والطلّاب وذوي الشهداء والمغيّبين، وَ “قطع دابر” المتاجرين في مآسيهم ورعاة الخناق؛ المشغِّلين في تل أبيب، أو الاكتفاء في إطلاق المواقف ضدّ السلطة في دمشق في سبيل دولة المواطنة وعلمانيّتها أو مدنيّتها طريقًا لفكّه كأفضليّة أولى حسب بعض الأطروحات. الخيار الثاني رغم شرعيّته بعيد المنال ومؤجّل إلى “أن يفعل الله أمرًا كان مفعولا”، أمّا الأول فهو في متناول اليد إن أحسن حملة الأقلام التشبيك ميدانيّا مع بقيّة دروز سورية أوّلا من حَمَلة الهمّ العام، وهم الغالبيّة، والعبور من التشخيص إلى المداواة.
_ ثالثًا: بغضّ النظر عن الموقف من الحكم الجديد في الشام، وإذا كان الهدف الآن هو إخراج دروز الجبل وبالتالي كلّ دروز سورية من عنق الزجاجة المصنوعة في مصانع زجاج “فينيسيا” الإسرائيليّة، فلا طريق للخروج من الخناق إلّا بوضع اليد في يده – حتّى ولو من خلال لبس القفّازات الجلديّة -، وهنا لافتة للنظر، ولسخرية الأقدار، “نظريّة” “دروز المؤسّسة الإسرائيليّة” في تحليل وضع اليد في يد المؤسّسة رغم ما ارتكبت وترتكب في حقّ الدروز والتحريم على دروز سورية وضع اليد في يد مؤسّستها قبلًا واليوم.
_ رابعًا: صحيح أنّ قاسمًا مشتركًا يجده المتابع في أطروحات النّخب القلميّة، وهو تبنّي مبادرة عمّان الثلاثيّة المعروفة، لكنّ التبنّي النظريّ لا يكتمل إلّا بأدوات تنفيذ، وفي الخصومات و\أو العداوات بين الأخصام وبين الأعداء.
*الوقفة الخامسة.. مع التشبيك.
التشبيك ميدانيّا عمليّاتيًا بين حَمَلة الهمّ العامّ – النُّخب -، بدءًا من خشني الأيادي في شوارع السويداء والأشرفيّة مرورًا بالمتعبّدين في بيوت الله والمقتدرين؛ مقيمين أو مغتربين وانتهاء بالنُّخب القلميّة؛ مقيمة أو مغتربة، هو السبيل للخروج من “عنق الزجاجة”، وحتمًا ستجد هذه النُّخب الدعم من قطاعات واسعة من نُخب بقيّة المكوّنات السوريّة وتتلاشى خيبة الأمل فيها. هذا هو دور النُّخب القلميّة وهذه هي رسالتها التاريخيّة، فهي المطالبة بالتشبيك وقادرة حين تخرج من الاجتهاد الفكريّ إلى العمل الميدانيّ، معلّقة – لا مبطلة – الأطروحات الفكريّة والسياسيّة على أهميّتها، إلى أجل يعود فيه المهجّر ويأخذ حقّة المُصاب وينال مبتغاه طالب العلم ويقيت أطفاله المحتاج، فرفع الحراب الحادّة الملطّخة عن رقاب العباد هي القول الفصل!




