عطش الرمال

رانية مرجية

تاريخ النشر: 10/06/26 | 18:40

لم أكن أبحث عن طريق، بل عن مبرر لفقدي. كنت أدور حول نفسي كما تدور الرياح حول الكثبان بلا نهاية. لم تكن الصحراء خيارًا، بل نداءً؛ نداءً لا يُسمع بالأذن، بل يُحس في أعماق الروح. قالوا لي: لا تمشي وحدك إليها، فإن للصحراء شهية لا تشبع من التائهين. لكنني لم أعد أخاف الجوع ولا العطش ولا الجنون؛ كنت أخاف فقط أن أبقى كما أنا.

لم أحمل سوى صورة باهتة لامرأة لم أعد أذكر ملامحها، وحفنة أسئلة خشيت أن أواجهها. كنت أفتش عن خلوة في عراء الله، أبحث عن طهارة لا من الخطيئة، بل من الأكاذيب التي ارتديتها عمرًا كاملًا. كان كل شيء في داخلي يئن؛ القلب، والذاكرة، وحتى قدماي اللتان سلكتا طرقًا لم تكن لي.

في اليوم الأول، شعرت أنني أسير فوق جلد كائن عملاق نائم. كانت الرمال تفوح برائحة جسد اغتسل من حب قديم، وكانت الشمس عينًا لا تغمض، تحدق بي كأنها تنتظر اعترافًا مؤجلًا.

وفي اليوم الثالث، بدأت الأحلام ترفع صوتها. رأيت طفولتي واقفة عند حافة ذاكرة ممزقة؛ أبي الذي صرخت في وجهه بلا سبب، وأمي التي رحلت قبل أن أسألها إن كانت سامحتني. حينها أدركت أنني لم آتِ هربًا، فالهارب لا يبتعد عن نفسه، بل يدور في فلكها حتى يسقط.

ذات مساء، ظهر رجل كأنه خرج من الريح نفسها. لم يكن يمشي، بل ينساب فوق الرمل في هدوء غريب. قال لي:

— من يسكن قلب الصحراء لا يخرج منها كما دخل.

سألته:

— هل تعرفني؟

ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:

— أنا صورتك في المرآة حين لا تخافين النظر.

ثم ناولني قنينة ماء.

تأملت الماء طويلًا. رأيت فيه ارتجاف روحي أكثر مما رأيت انعكاس وجهي. وحين سكبت القنينة على الرمل، شربتها الأرض بنهم. عندها فهمت أن العطش الحقيقي ليس لما يُشرب، بل لما يظل حبيس الصدر.

بعد أيام، وجدت خيمة وحيدة كأنها كانت تنتظر وصولي. أمامها جلس شيخ أعمى يقلب صفحات كتاب بلا كلمات.

قال:

— كل من يصل إلى هنا، جاء لأن الألم دلّه.

فبكيت.

لا لأنني صدقته، بل لأنني عرفت أخيرًا كم كنت أبرع في خداع نفسي.

جلست وحدي أفتح دفاتر الأيام المدفونة. قرأت رسائل لم أرسلها، وأسماء حفرتها يومًا على جدران القلب ثم محوتها. مرّ الذين أحببتهم جميعًا أمامي، لكنهم كانوا صامتين كما كانوا يوم رحلوا.

وفي اليوم العاشر، رأيت امرأة تشبهني تسير بعيدًا بين السراب. نادتني بصوت أعرفه جيدًا؛ كان صوتي حين كنت بريئة. ركضت نحوها بكل ما بقي فيّ من شوق، لكنها تلاشت قبل أن أصل.

عندها فقط عرفت الحقيقة:

لم أكن أفتقد أحدًا…

كنت أفتقدني.

وفي صباح اليوم التالي، وجدت طائرًا يحتضر. كان جناحه المكسور يشبه شيئًا في داخلي. حملته بين يدي، وسقيته من دموع أخفيتها عن نفسي سنوات طويلة. لم تكن لحظة كبيرة في حساب الزمن، لكنها كانت كافية لتعيد إلى روحي إنسانيتها.

وفي فجر اليوم الحادي عشر، غنيت.

لا لأطرب أحدًا، بل لأعلن أنني ما زلت حيّة.

ساد الصمت في الأفق، حتى خُيّل إليّ أن الصحراء نفسها تنصت. لأول مرة شعرت أنها تعترف بي ابنةً لها، لا عابرة سبيل.

وحين قررت العودة، لم أعد كما ذهبت.

لم أعد مثقلة بالأسئلة، بل خفيفة كمن تعلم أخيرًا كيف يسامح نفسه. لم أعد أطلب من العالم أن يشفيني، ولا من الناس أن يفهموني. لقد علمتني الصحراء أن البداية الحقيقية لا تأتي حين نجد الإجابات، بل حين نتوقف عن الكذب على أرواحنا.

وعند أطراف الرمل، وقفت امرأة لم أرها من قبل.

قالت:

— سيمر العمر، وسيظن الناس أنكِ ضعتِ يومًا في الصحراء. لكنهم لن يعلموا أنكِ ذهبتِ إليها لتجدي ما فقدتِه منذ الميلاد: نفسكِ.

ابتسمت.

ولم أقل شيئًا.

فالصحراء علمتني أن بعض الإجابات أكبر من الكلمات، وأن أصدقها… الصمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة