من يضبط بوصلة المشتركة إذا قامت المشتركة؟

تاريخ النشر: 09/06/26 | 16:34

مذكرات راكب في سفينة تبحث عن شمالها
مقال ساتيري

في الأزمنة العادية، يحتاج الناس إلى بوصلةٍ كي لا يضيعوا الطريق. أمّا في زمننا السياسي البديع، فقد أصبح السؤال أكثر تعقيدًا:

من يضبط بوصلة المشتركة إذا كانت المشتركة نفسها قد فقدت جهة الشمال؟

كنا نظنّ أن البوصلة وُجدت لتشير إلى الاتجاه، فإذا بها تشير إلى آخر استطلاع رأي. وكنا نظنّ أن الموقف يُقاس بالثوابت الوطنية، فإذا به يُقاس بعدد المقاعد، وعدد الكاميرات، وعدد الإعجابات على منصات التواصل.

المشكلة ليست أن السفينة تاهت؛ فالسفن تتيه أحيانًا. المشكلة أن قبطان السفينة يعقد مؤتمرًا صحفيًا ليعلن أن التيه إنجازٌ تاريخي، وأن الدوران حول النفس شكلٌ متطور من أشكال التقدّم.

وحين يسأل أحد الركاب:
— إلى أين نحن ذاهبون؟
يأتيه الجواب الرسمي:
— الرجاء عدم التشويش على المسار الاستراتيجي.
فإذا تجرّأ وسأل:

— وأين هو هذا المسار؟

قيل له على الفور:

— هذا سؤال انقسامي يخدم أعداء الوحدة!

أما الخبراء والمحللون، فيجلسون حول البوصلة المعطلة يناقشون لون إبرتها، بينما الإبرة نفسها فقدت منذ زمن طويل علاقتها بالاتجاهات الأربع.

والمفارقة أن كل طرف يؤكد أنه يمسك بالدفة، بينما السفينة تسير بقوة الأمواج لا بقوة القيادة. وكلما اشتدّ الموج ارتفعت الخطب، وكلما ازداد الضباب تكاثرت البيانات، حتى أصبح البيان السياسي أشبه بمصباح يدوي بلا بطارية.

وفي هذه الأثناء، ينشغل بعض البحّارة بإعادة طلاء السفينة، ويختلف آخرون على حجم العلم المرفوع فوقها، بينما الماء يتسرّب بهدوء إلى القاع.

ولأن المشهد لا يخلو من الكوميديا، فإن كل من يشير إلى الثقب يُتَّهم بأنه سبب الغرق، وكل من يحذّر من العاصفة يُصنَّف عدوًا للطقس الجميل.

لذلك لم يعد السؤال:

إلى أين تشير بوصلة المشتركة؟
بل أصبح:

هل ما زالت هناك بوصلة أصلًا؟

فحين تصبح البوصلة موضوعًا للبحث، ويصبح الاتجاه وجهة نظر، وتتحول الخريطة إلى مادةٍ للخلاف، عندها لا يحتاج المسافر إلى دليل طريق، بل إلى من يدلّه أولًا على مكان البوصلة المفقودة.

وإلى أن يحدث ذلك، سيظل الركاب يتبادلون السؤال نفسه على سطح السفينة، بين موجةٍ وأخرى، وبين بيانٍ وآخر:

من يضبط بوصلة المشتركة إذا قامت المشتركة… ولم تعرف إلى أين تمضي؟

فخري هوّاش
البروة/ جديدة المكر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة