هواري بومدين… الرجل المبهم
معمر حبار
تاريخ النشر: 09/06/26 | 8:26
Rachid MASSLI: «Houari Boumedienne L’homme enigme», 4 TRIMESTRE 1990, CONSTANTINE, ALGERIE, 117 Pages.
حول الكاتب والكتاب:
احتوى الكتاب على فصلين.
نصف الكتاب صور، وملاحق، ومراجع.
متن الكتاب قصير تتخلّله صور، ومقاطع من خطب الرّئيس هواري بومدين.
يعترف صاحب الأسطر أنّه لأوّل مرّة يقرأ للكاتب. ولا يعرف عنه شيئا. ولأوّل مرّة يقرأ هذا الكتاب الذي بين يديك. والذي اقتناه من أحد باعة الكتب عبر الرّصيف.
قراءة القارىء المتتبّع للكتاب:
فترة السّبعينات وتأثيرها على الكاتب والكتاب:
آخر سنة ذكرها الكاتب كانت سنة 1971. وهو آخر حوار أجراه الرّئيس هواري بومدين يومها مع جريدة. ما يعني أنّ الكتاب تمّ إنجازه في بداية السّبعينات من القرن الماضي. وهواري بومدين كان يومها في أوجّه صعوده، وقوّته، وشهرته. فلا عجب إن لمس القارئ إعجاب الكاتب الشّديد، والمطلق -أقول المطلق- بهواري بومدين. ولم ينتقده في نقطقة. وتلك من ميزات الفترة،.وإعجاب الجزائريين بهواري بومدين يدخل ضمن هذا السّياق، وظروف تلك الفترة التي مرّت بها الجزائر. والكتاب ينتمي لمرحلة السّبعينات من القرن الماضي.
الكاتب وانقلاب 19 جوان 1965:
لا يستعمل الكاتب وبالمطلق مصطلح “الانقلاب” على انقلاب 19 جوان 1965. ويرى فيه “تصحيحا “ثوريا”. ويرى أنّه كان يجب أن يقوم بالانقلاب ذلك اليوم. ويحمّل كلّ الأخطاء للرّئيس أحمد بن بلة. ويذكر فقط مزايا الرّئيس هواري بومدين رحمة الله عليهما. بل يرى -وحسب قراءتي-: لولا استفزاز أحمد بن بلة ما قام هواري بومدين بـ: “التصحيح الثّوري”.
لا داعي لمناقشة الكاتب في هذه النقطة. وقد ذكرنا أنّ الكاتب، والكتاب يعودان لفترة السّبعينات. وقد تمّ وصف تلك الفترة في الأعلى لمن أراد الارّجوع، والزّيادة.
عتاب الكاتب بعدم الانقلاب:
القارىء للكتاب يقف على حقيقة مفادها: من فرط تأييد الكاتب لانقلاب 19 جوان 1965. يعاتب الرّئيس هواري بومدين بأنّه ظلّ في الحكم مع أحمد بن بلّة مدّة ثلاث سنوات، ولم يقم بالانقلاب عليه. وكأنّه يعاتبه لأنّه تأخرّ لغاية 1965. وكان عليه أن يستولي على الحكم منذ اليوم الأوّل من سنة 1962.
سلطة هواري بومدين نابعة من كونه قاد الرّجال في الثّورة الجزائرية:
نقل الكاتب قول هواري بومدين: “السّلطة لا بدّ أن تكون بيد الذين قادوا الرّجال في المعركة”. ومن هنا -وحسب قراءتي- قاد الانقلاب ضدّ أحمد بن بلة. لأنّه -وحسب هذه المقولة التي أمست قاعدة-. لا يحقّ لأحمد بن بلة أن يحكم الجزائر. لأنّه لم يقد الرّجال أيّام الثّورة الجزائرية. وهواري بومدين هو الذي يجب أن يقود الجزائر. لأنّه قاد الرّجال أيّام الثّورة الجزائرية.
يختلفان في كلّ شيء ولذلك كان انقلاب 19 جوان 1965:
ينطلق الكاتب من فكرة مفادها: هواري بومدين، وأحمد بن بلة رحمة الله عليهما: يختلفان في كلّ شيء.، ولا تشابه بينهما. ويشتركان في كونهما شاركا في الثّورة الجزائرية. لكن كلاهما يختلف عن الآخرفي نظرته للثّورة.
ويريد أن يقول -وحسب قراءتي-: طبيعي جدّا أن يقوم بما يسميه “التّصحيح الثّوري”. بل كان -في نظره- يجب أن يقع منذ سنة 1962.
كيف للكتوم الخجول أن يقيم انقلاب 19 جوان 1965؟:
يركّز الكاتب على صفات الرّئيس هواري بومدين في مختلف مراحل حياته. ويذكرها بإعجاب شديد، وظلّ يردّدها. وممّا وقفت عنده قوله وبألفاظي ،وأسلوبي: كيف يعقل لهذا الكتوم، والخجول أن يقود انقلابا.؟ وكأنّه يريد أن يقول: أحمد بن بلة هو الذي استفزّ هواري بومدين بسلوكاته. وقد ذكرها، وعدّدها. ليقوم هذا النحيل، والكتوم، والخجول بانقلاب 19 جوان 1965. وإلاّ لما قام بذلك أبدا.
هواري بومدين ليس لغزا:
اتّسم الرّئيس هواري بومدين بصفات أهلته ليكون قائدا عسكريا، ورئيس دولة، وبنى دولة. ولم يكن يعرف عنه الاحتلال الفرنسي شيئا، أو الكثير. لأنّه لا يظهر أمام وسائل الإعلام، ولا يبدي تصريحات إعلامية. ولا يعرفه إلاّ القليل ممّن يحيطون به. وهذا هو الذي -في تقديري- جعل الكاتب يصفه، بـ: “اللّغز”. ولذلك فضّلت “بومدين المبهم” على “بومدين اللّغز”. وللكاتب أسبابه نحترمها، ولا نتدخّل فيها.
هواري بومدين القائد من طفولته، وشبابه:
طفولة هواري بومدين، وشبابه، وحياته العسكرية في عهد الثّورة الجزائرية. أثّرت بشكل كبير في فترته السّياسية حين حكم الجزائر19 جوان 1965- 27 ديسمبر 1978. فوجب فهم هذه المراحل بشكل جيّد. لأنّها عماد هواري بومدين. ومن جهل هذه المراحل، والترابط المتين الذي بينها. فقد حرم نفسه الكثير عن شخصية هواري بومدين، وأساء له وللجزائرعن جهل أو عمد.
الانقلاب لحماية الثّورة:
يرى الكاتب أنّ من أسباب انقلاب 19 جوان 1965، هو: “عمله لحماية الثّورة المهدّدة”. لأنّه يرى أنّ أحمد بن بلة وبتصرفاته التي رفضها هواري بومدين. كان يهدّد الثّورة الجزائرية.عقب استرجاع السّيادة الوطنية.
بشأن مصطلح انقلاب:
كلّ عبارة، أو عنوان يحمل اسم “انقلاب”، أو “انقلاب 19 جوان 1965. فهو من وضع صاحب الورقة، وليس الكاتب. لأنّ الكاتب لا يؤمن مطلقا أنّه انقلاب.
ثانيا: متن الاكتاب:
الفصل الأوّل: المجهول واللّغز: 15-42
المراحل التي مرّ بها هواري بومدين: 19-20
لم يدرس هواري بومدين في مدارس فرنسية، ولم يدرس في جامعة فرنسية، ولا جزائرية.
المراحل الأساسية:
طفولته: التي تمّت في وسط فلاحي، وقراءته للقرآن الكري، واللّغة العربية التي كوّنت مرحلته الأولى.
شبابه: تمثّلت في هجرته لمصر.
الشاب المحارب: اتّضح ذلك في عودته للجزائر من مصر، وانضمامه للثّورة الجزائرية.
القائد العسكري: عقب استرجاع السّيادة الوطنية. وعمله لحماية الثّورة المهدّدة.
أوّلا: طفولة بومدين: 21-23
ولد من عائلة من خمسة إخوة. ثلاثة ذكور، واثنين إناث. وولد في منطقة الأكثر كثافة، والأكثرفقرا. والأب فلاح بسيط. وقد حطّمته أزمة 1929. باعتبار هواري بومدين من مواليد: 1925-1932. صفحة 21
الشاب المتعلّم الثّائر:
أرسله الأب وهو في الرّابعة عشرة من عمره إلى قسنطينة. وسجّل في معهد “الكتاتنة” . حيث حزب الشعب. ولم يمكث غير ثلاث سنوات في قسنطينة. 22
واضح أنّ طفولة هواري بومدين ساهمت في صنع مستقبله. إذ لو كان غنيا لدرس في المدارس الفرنسية. ولما كان بومدين الثّائر، والمحارب للاحتلال الفرنسي. 22
الاستدعاءات التي كانت تصل الأب بشأن ابنه بومدين لأداء الخدمة العسكرية تحت المحتلّ. دفعته يرفض الاستدعاء، ويتّجه نحو مصر. ورفض أن يذهب لفرنسا. كما كانت الموضة يومها. 23
الشاب الطالب: 25-28
بقي هواري بومدين أربع سنوات في القاهرة. وضعفه المادي زاد في هزال جسده النحيل. 25
كان يواصل دراسته بثانوية بالقاهرة. وهمّه هو طرد المحتلّ. ولم يكن يهمّه ما يجري في حزب البعث، ولا الإخوان، ولا النقاشات بهذا الشأن. وواقعية بومدين، وصرامته ستكوّن فيما بعد شعبيته. وكلّف من طرف قادة الثّورة الجزائرية خيضر، وأحمد بن بلة بحمل السّلاح للجزائر. عقب اندلاع الثّورة الجزائرية. 26
لم يكن المنظّر، ولا المفكّر. لكنّه كان مولعا بفكرة واحدة، وهي: تحرير الجزائر من المحتلّ. وكان الحلّ الوحيد لديه هو العمل وليس السّياسة. ولم تكن تستهويه النقاشات النظرية. لأنّه كان رجل واقعي. 27
المحارب: 31-34
في فيفري 1955: نقل هواري بومدين الأسلحة من مصر إلى الجزائر. ومؤهلاته القيادية كفاعليته، وتنظيمه الفاعل. جعلته يرتقي بسرعة في سلّم القيادة العسكرية. كقطاع “الاتّصالات والاستعلامات”، وعن استحقاق. ومن طرف قادة الثّورة الجزائرية.
بومدين القادم من قسنطينة لا يعرف أحدا في الغرب الجزائري. ما دفعه ليكون كتوما جدّا، ومتحفّظا. ودخل مباشرة في قلب الثّورة الجزائرية. فاختار اسما ثوريا غير اسمه. 32
اختارالإسم الثّوري: هواري بومدي. بدل اسمه الحقيقي محمّد بوخروبة. ما يعني أنّ هواري بومدين بالنسبة للاحتلال الفرنسي مجهول. 32
الغرب الجزائري أيّام الثّورة الجزائرية: كان مسيّر من طرف الشرق الجزائري كمحمّد العربي بن مهيدي من بسكرة، وهواري بومدين من قالمة.
في سنة 1957: عيّن هواري بومدين مسؤول المنطقة الخامسة، برتبة عقيد وهو في سنّ 25 سنة. وهواري بومدين لم يكن يخاف الشباب، والشباب المتعلّم. ولذلك استعان بهم لتعزيز صفوف جيش التّحرير الوطني. (ويقصد الشباب الجزائري العسكري الفارين من جيش الاحتلال. ودون أن يفصح عن ذلك). وكان مكلّفا بتنظيم جيش الحدود من الجهة الغربية الجزائرية. ونظرا لخصاله القيادية نال رتبة رئيس هيئة أركان جيش التّحرير الوطني. التي منحته السّلطة المباشرة على “جيش الحدود”. 33
اعتلى هواري بومدين القمّة العسكرية، بفضل: ميزاته التنظيمية، والفنية، والرّجل الفاعل، وقابليته لأن يكون الرّجل السّياسي والفكري. 34
العقيد السّياسي:
قال هواري بومدين: السّلطة لا بدّ أن تكون بيد الذين قادوا الرّجال في المعركة. وقال: الرّجال الذين خاضوا الثّورة. ليسوا هم الرّجال الذين ينغمسون في العمل السّياسي. ولم يكن يؤمن بالحلّ السّياسي. وكان يفضّل العمل العسكري. ومثاله: ماو تسيتونغ، وكاسترو. 37
الدور الذي لعبه هواري بومدين في مواجهة الأزمة الكبرى (يقصد أزمة صائفة 1962). بعد استرجاع السّيادة الوطنية. جعله المحور الرّئيسي الذي لا يستغنى عنه. وأمسى الحكم والملجأ الوحيد للسّياسيين. وما كان يصل لذلك لولا مزاياه الشّخصية. 38
بعد تعيين هواري بومدين وزيرا للدفاع، ونائب الرّئيس. وبفضل شخصيته القويّة. لم يعد رقم 2. بل تحوّل من رقم واحد المكرّر(الذي لايظهر في الواجهة) إلى رقم واحد الفعلي. 39
أسباب انقلاب 19 جوان 1965:
انقلاب 19 جوان 1965: وضع حدّا لثلاث سنوات من التّردّد، والشّكّ التي تنخر- شبه النظام الشخصي-، وتظاهر أحمد بن بلة بأنّه يحكم. 39
قال هواري بومدين: يجب فرض الدولة، ووقف الفوضى، وإعادة النظام، وتنظيف التسيير، وتثبيت الاقتصاد، ووضع حدّ لممارسات الماضي حيث السّياسة الخارجية لا تتطابق مع الداخل.ونريد أن نهتمّ أوّلا بمشاكلنا، والجزائر يجب ألاّ تكون ملك لرجل، ولا “لزعيم”. 39
قال: “تحدّثنا قليلا. لكن عملنا كثيرا. وقلنا على الجزائر أن تعتمد على نفسها. ولا يمكنها أن تكون جزائر ماو، ولا كاسترو، ولا ناصر، فقط الجزائر جزائرية”. 39
الفصل الثّاني: القائد الوطني: 43-70
أسباب أخرى لانقلاب: 19 حوان 1965
سعي أحمد بن بلة لإقامة نظام فردي، ومحاط بمستشارين أجانب، والحكم عبر العشوائية في ظلّ الغموض. كلّ هذا ضدّ المبادئ الذهبية للثّورة، كالعمل المشترك، والاستقلالية، ورفض أيّ تدخل أجنبي، والصّرامة، والانضباط، وهمّ التّنظيم”. 45
هواري بومدين عكس تماما أحمد بن بلة الذي سبقه. 45
الصّمت، والفاعلية، ورفض إرضاء كل النّاس. وسائل فاعلة للعقيد هواري بومدين. وعلى مرّ الأيّام والظروف، توجّهه الفكري تأكّد في خطاباته، ومشاركة الجزائر الفاعلة في الحياة الدولية… ومن هنا اتّضحت الخطوط الكبرى للقائد الوطني. 45-46
الانقلاب بسبب رفض هواري بومدين لانفراد أحمد بن بلة بالحكم:
تحدّد الشّخصية بما يرفضه الشخص. وهواري بومدين يرفض السّلطة الفردية، وضبابيتها، وتمركزها في يد شخص واحد. والإفراط في ممارسة السّلطة الشّخصية للرّئيس أحمد بن بلة كثيرة، وأدّت إلى خلل لا يمكن إلاّ أن يوضع حدّا لـ ”الانحرافية”. 49
هواري بومدين: الذي انتقد عبادة الشخصية، لم يسقط هو في هذا الفخّ. ولذلك كان يعيش في الظلّ، وقليل الظهور، وخجول، وقليل الحديث. حتّى بعد رئاسته للجزائر سنة 1965. صفحة 50.
عقب انقلاب 19 جوان 1965، قال هواري بومدين في حوار لجريدة الأهرام: “نادى أحمد بن بلة في اليوم الأوّل باشتراكية كاسترو، وفي اليوم الثّاني باشتراكية جزائرية، وفي مناسبة أخرى اشتراكية إسلامية. وهذه ليست إلاّ كسب تعاطف النّاس”. 50
كان هواري بومدين يقول: لست الزّعيم. ولم يكن يبحث عن إعجاب الجماهير. ولا أريد تصفيقا، ولا أطلب شيئا”. 50
وهواري بومدين لم يكن يريد لفت الانتباه تجاهه. ولا تسليط الأضواء نحوه. ولا يتحدّث كثيرا للصحفيين. والذي لا يتحدّث إليهم إلاّ باللّغة العربية.
الانقلاب لأجل ضبط انفلات أحمد بن بلة:
كان الانقلاب ضدّ مبالغات أحمد بن بلة. ما دفع هواري بومدين القليل الكلام يقتحم السّلطة لأجل “إعادة ضبط” الوضعية . ويبدو أن هواري بومدين باغت الجميع. وبما فيه سابقه أحمد بن بلة للاستيلاء على الحكم.
ثلاث سنوات قبل الانقلاب:
طيلة ثلاث سنوات وهواري بومدين يعيش في ظلّ أحمد بن بلة. الذي كان يعيش بسلوكات غامضة، وغالبا متناقضة. وقال هواري بومدين مبرّرا لانقلابه: “لا بدّ من إقامة النّزاهة مكان الترف، والعمل المنظّم على العشوائية، ومفهوم الدولة على التصرفات التّلقائية”. 52
التّفكير السّياسي للقائد الجزائري:
يعتمد هواري بومدي على قاعدتين أساسيتين:
أوّلا: الثّورة،.
وثانيا: الاستقلال الوطني والأولى في خدمة الثّانية. وكلاهما في خدمة الدولة. 63
الإثنين 22 ذو الحجة 1447هـ، الموافق لـ 8 جوان 2026






