ما الذي يبقى من الإنسان؟

رانية مرجية

تاريخ النشر: 07/06/26 | 22:58

في إحدى المقابر، لفت انتباهي شيء لم أكن قد انتبهت إليه من قبل.
لم يكن اسمًا معروفًا، ولا شاهد قبر مميزًا، ولا عبارة مؤثرة من تلك التي تُكتب لتستدر الدموع.

كان حجرًا عاديًا.

لكن بين تاريخ الميلاد وتاريخ الوفاة، كانت هناك شرطة صغيرة.

خط قصير بالكاد يُرى.

وقفت أحدق فيه طويلًا.

وفكرت أن حياة كاملة كانت مختبئة هناك.

كل الأفراح التي عاشها صاحب هذا القبر.

كل الخيبات التي كسرت قلبه.

الأشخاص الذين أحبهم، والذين فقدهم، والذين رحلوا دون وداع.

الأحلام التي طاردها.

والمعارك التي خاضها.

والأيام التي ظن أنها لن تنتهي.

كل ذلك اختُصر في خط صغير بين تاريخين.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد يشغلني تاريخ الميلاد ولا تاريخ الوفاة بقدر ما شغلني ذلك الخط.

ذلك الحيز الضيق الذي نُمنح إياه ثم نرحل.

في بدايات العمر، نعيش كما لو أن الوقت لا ينفد.

نؤجل الكلمات الجميلة.

ونؤجل الاعتذارات.

ونؤجل اللقاءات.

ونؤجل الأحلام.

وأحيانًا نؤجل الحياة نفسها.

نتصرف كما لو أن الغد حق مكتسب، لا هبة مؤقتة.

لكن السنوات تعلمنا، ببطء موجع، أن أكثر الأشياء هشاشة في هذا العالم ليست الزجاج.

إنها الأيام.

فالأعمار لا تغادرنا دفعة واحدة.

بل ترحل على هيئة صباحات عادية لم ننتبه إلى أنها لن تتكرر.

وعلى هيئة وجوه أحببناها ثم اختفت.

وعلى هيئة أبواب أُغلقت للمرة الأخيرة دون أن نعرف أنها الأخيرة.

عندها فقط نفهم أن النضج ليس ما تصنعه السنوات، بل ما يصنعه الوعي بفناء الأشياء.

حتى نحن.

أتذكر شجرة زيتون هرمة رأيتها في قرية جبلية.

كانت أقرب إلى ذاكرة منها إلى شجرة.

جذعها متشقق.

وأغصانها تحمل آثار مواسم قاسية.

بعض فروعها مات منذ زمن.

ومع ذلك، كانت تثمر.

وقفت أمامها طويلًا.

وفكرت أن الأشجار ربما تفهم الحياة أكثر منا.

هي لا تقضي عمرها في سؤال الريح لماذا جاءت.

ولا تدخل في خصومة مع الجفاف.

ولا تنشغل بعدّ ندوبها.

إنها تفعل شيئًا واحدًا فقط:

تستمر.

وتمنح.

أما نحن، فكثيرًا ما نحول جراحنا إلى هوية.

نقول:

أنا الذي خُذلت.

أنا الذي مرض.

أنا الذي فشل.

أنا الذي فقد.

حتى ننسى أن الإنسان أكبر من أكثر أيامه ألمًا.

وأوسع من أكثر جراحه عمقًا.

ومع مرور العمر، أدركت حقيقة لم أتعلمها من الكتب.

تعلمتها من الناس.

من أم دفنت ابنها، ثم واصلت توزيع الحنان على من حولها.

ومن مريض كان يبتسم بينما يخفي الآخرون قلقهم عليه.

ومن رجل خذلته الحياة مرارًا، لكنه لم يسمح لها أن تنتزع منه لطفه.

هؤلاء لم يكونوا أقل ألمًا من غيرهم.

لكنهم فهموا شيئًا جوهريًا:

أن النجاة ليست أن تعبر الحياة دون جراح.

فالإنسان لا يُمنح هذا الامتياز.

النجاة الحقيقية أن يمر الألم بك، ولا يتحول إلى قسوة.

أن تخذلك الحياة، ولا تصبح نسخة من خذلانها.

أن تنكسر، دون أن تفقد قدرتك على الحب.

كلما تقدمت في العمر، تغيرت الأسئلة.

في البدايات كنا نسأل:

ماذا سنملك؟

وماذا سنحقق؟

وكيف سنصل؟

أما اليوم، فأرى أن السؤال الأهم أبسط وأعمق:

ماذا سيبقى منا؟

لن يبقى البيت.

ولا المنصب.

ولا التصفيق.

ولا ما جمعناه من أشياء.

كل ذلك يذوب مع الزمن كما يذوب الضباب تحت شمس الصباح.

الذي يبقى شيء آخر.

قلب طمأن قلبًا.

يد امتدت في وقت الحاجة.

كلمة أعادت الأمل إلى روح متعبة.

أثر خفيف تركناه في حياة إنسان آخر دون أن نشعر.

ذلك وحده يملك قدرة عجيبة على مقاومة النسيان.

ولهذا، كلما تذكرت ذلك القبر، لا أتذكر اسم صاحبه.

أتذكر تلك الشرطة الصغيرة.

ذلك الخط الذي بدا قصيرًا جدًا على الحجر، واسعًا جدًا في المعنى.

وأفكر أننا جميعًا نكتب الآن خطوطنا الخاصة.

يومًا بعد يوم.

وكلمة بعد كلمة.

واختيارًا بعد اختيار.

وفي النهاية، لن يكون السؤال كم سنة عشنا.

بل ماذا فعلنا بالسنوات التي مُنحت لنا.

لأن الإنسان لا يخلده ما امتلكه.

ولا ما جمعه.

ولا ما قاله عن نفسه.

الذي يخلده حقًا هو ما تركه من نور في حياة الآخرين.

وحين نصبح نحن أيضًا مجرد تاريخين على حجر،

سيبقى بينهما خط صغير.

لكن بعض الخطوط،

رغم قصرها،
تتسع لعمر كامل من المعنى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة