خاطرة نحن أبناء الأرض (2)
كتب :جهاد عقل - عرعرة
تاريخ النشر: 06/06/26 | 11:31
في إحدى جلساته مع أترابه التي استعاد فيها معهم ذكريات الطفولة ، أخذ محمود يتباهى بما يقوم به من عمل في الأرض، رغم أن عمره لم يتجاوز السابعة. فقد اعتاد مساعدة عائلته في فلاحة الأرض وحصاد خيراتها.
قال محمود:
* زرع والدي وعمي قطعة أرض تقع إلى الغرب من قريتنا عرعرة بالسمسم، وكان محصولها وفيراً، حتى بلغ طول نباتاته نحو متر، وربما أكثر.
تعجب أترابه مما قاله، بل إن بعضهم لم يكن يعرف نبات السمسم أصلاً.
وأضاف:
* عندما اقترب موعد الحصاد، وقبل أن تتفتح أجراس السمسم التي تحتوي على بذوره الطيبة، قال لي والدي: «اليوم سنباشر حصاد السمسم، وعليك أن تساعدنا بنقل الأحمال التي سنضعها على ظهر الحمار إلى البيت، ثم تعود لنقل الحمل الثاني».
شعرت يومها بسعادة لا توصف، فقد كان والدي يعتمد عليّ رغم صغر سني.
وفي الموعد المحدد، ركبت خلف والدي على ظهر الحمار، واتجهنا إلى موقع المزرعة التي تُعرف باسم «الفقاير». وعندما وصلنا، كان عمي بانتظارنا. بدأ بقلع نباتات السمسم وربطها في ضِمام كبيرة، وكنت أنظر إلى ذلك المحصول بفرح وفخر، لأن دوري في نقله إلى البيت جعلني أشعر بأنني شريك في الجهد الذي سيعود بالنفع على عائلتنا.
وعندما اكتمل العدد المطلوب من الضِمام، قام والدي وعمي بتحميلها على ظهر الحمار بشكل متوازن، حتى لا يميل الحمل إلى أحد الجانبين.
جلست فوق الحمل، وانطلقت نحو البيت، وشعور الفرح يغمرني.
سأله أحد أترابه:
* وهل وصلت إلى البيت بسلام؟
أجاب محمود:
* في البداية سارت الأمور على خير ما يرام، لكن والدي لم يأخذ بعين الاعتبار وجود مقطع ضيق من الطريق تحيط به سناسل الحجارة. وهناك بدأت ضِمام السمسم ترتطم بتلك السناسل، فمال الحمل إلى أحد الجانبين وكاد يسقط عن ظهر الحمار.
فسأله آخر:
* وماذا فعلت؟
قال:
* قفزت عن ظهر الحمار، وبدأت أحاول إعادة التوازن إلى الحمل ورفع الجهة التي مالت نحو الأرض، لكن صغر سني وثقل الحمل لم يساعداني على ذلك. عندها انهمرت دموعي خوفاً من سقوط السمسم، خاصة أنني كنت في مكان قلّما يمر به أحد في ذلك الوقت.
فقال أحد أترابه:
* إذن أصابك اليأس ولم تستطع حل المشكلة؟
ابتسم محمود وقال:
* لا. ففي لحظة ما أوقفت الحمار وقلت لنفسي: لا بد أن أجد حلاً. وبينما كانت دموعي تنهمر، جمعت كل ما أملك من قوة، وأمسكت بالجهة التي أوشكت أن تلامس الأرض، ورفعتها بكل ما أوتيت من جهد، وكأن قوة خارقة قد سرت في جسدي.
فسأله آخر بلهفة:
* وماذا حدث بعد ذلك؟
قال محمود:
* وصلت بحمل السمسم إلى البيت، ووضعته في المكان الذي حدده لي والدي، ثم عدت إلى الحقل لنقل ما تبقى من المحصول، وكان كثيراً. وعندما أخبرت والدي بما حدث، أعجب بإصراري وقدرتي على إعادة التوازن للحمل وإيصاله إلى البيت.
وقال لي:
* لم أتوقع منك هذا يا صغيري، لكنني سأحرص من الآن فصاعداً على أن يكون الحمل أخف وزناً وأقل عرضاً، حتى لا يصطدم بالسناسل.
وبالفعل، واصلت نقل السمسم إلى البيت دون أن يتكرر ذلك الحادث.
ثم نظر محمود إلى أترابه وقال بفخر:
* لقد تعلمت من تلك الحادثة أن الإنسان لا يُقاس بعمره، بل بإرادته. فعندما مال حمل السمسم وكدت أفقده، شعرت بالخوف وبكيت، لكنني لم أستسلم. جمعت قوتي وحاولت مرة أخرى حتى نجحت. هكذا تعلمنا أرضنا؛ أن نصبر، وأن نتحمل المسؤولية، وأن نواجه الصعوبات بدلاً من الهروب منها. لذلك أقول دائماً: نحن أبناء هذه الأرض، نستمد منها حب العمل، وقوة الصمود، والإيمان بأن من يزرع بصدق ويحافظ على ما ينتجه بجهده، لا بد أن يحصد النجاح.





