الظل وحق النجاة كيف سنعيش في زمن الحر القادم؟
رانية عقل
تاريخ النشر: 03/06/26 | 7:56
لم يعد الحديث عن ارتفاع درجات الحرارة تحذيرًا يخص المستقبل البعيد. فالعالم يعيش اليوم سنوات توصف بأنها الأكثر حرارة منذ بدء القياسات، فيما يحذر العلماء من أن السنوات القريبة قد تحمل أرقامًا قياسية جديدة، وموجات حر أطول، وليالي أكثر سخونة، وأيامًا يصبح فيها البقاء خارجًا لساعات طويلة أكثر خطورة مما اعتدنا.
لكن السؤال الحقيقي ربما لم يعد كم سترتفع الحرارة؟
السؤال هو كيف ستبدو الحياة عندما يصبح الحر جزءًا من شكل المكان نفسه؟ وماذا يحدث عندما يصبح الوصول إلى البرودة امتيازًا، لا حقًا؟
في أنحاء كثيرة من العالم، بدأت تظهر فجوات جديدة لا تتعلق فقط بالدخل أو التعليم أو الصحة، بل بالقدرة على الوصول إلى البرودة. فمن يملك بيتًا معزولًا، وشجرًا، وظلًا، وتكييفًا، يعيش مناخًا مختلفًا تمامًا عن شخص يعمل تحت الشمس أو يعود إلى حي إسفلتي يختزن الحرارة حتى منتصف الليل. فالحر لا يوزع نفسه بالتساوي بين الدول، ولا بين المدن، ولا حتى بين الأحياء داخل المدينة نفسها. ويسمي بعض الباحثين هذا التفاوت اليوم “العدالة الحرارية”، حيث تنعكس الفجوات التخطيطية والاجتماعية على مقدار ما يتعرض له الناس من حر أو ظل.
وفي الشرق الأوسط، حيث ترتفع الحرارة أصلًا، يبدو هذا السؤال أكثر إلحاحًا. فموجات الحر هنا لا تعني فقط أيامًا صعبة، بل ضغطًا على الماء، والكهرباء، والصحة، والقدرة على العمل. وهذا لا يصيب الجميع بالتساوي، فالعامل في البناء، والمزارع، وعامل النظافة، والباعة، وعمال الشوارع، ومن يعملون في الحقول أو في أماكن مفتوحة، يعيشون مواجهة مختلفة تمامًا مع الحر مقارنة بمن يعملون في المكاتب المكيفة، لأن أجسادهم ليست فقط من يتعرض للحر، بل مصدر رزقهم أيضًا.
أما الأطفال، وكبار السن، والنساء الحوامل، وأصحاب الأمراض المزمنة، والناس الذين يعيشون في بيوت سيئة التهوية، فجميعهم يقفون في الصفوف الأولى لهذه الأزمة. فالحر لا يعني فقط شعورًا مزعجًا، وإنما يعني إرهاقًا حراريًا، وضربات شمس، وارتفاعًا في العبء على القلب والكلى، وليالٍ بلا نوم، وزيادة في الحوادث المهنية، وأحيانًا موتًا كان يمكن تفاديه. فالجسد البشري يعتمد على فقدان الحرارة للحفاظ على توازنه، وعندما تصبح الليالي أكثر سخونة، تبدأ قدرة الجسم على التعافي أيضًا بالتراجع، لأن عدم انخفاض حرارة الليل يضع عبئًا إضافيًا على الجسم ويقلل قدرة أجهزته على استعادة توازنها، وهو ما يفسر ارتباط موجات الحر بارتفاع المخاطر الصحية، خاصة لدى كبار السن.
قبل فترة، عرض باحثون دراسة حول الفجوات الحرارية داخل المدن العربية، وكيف يمكن للمكان نفسه أن ينتج تفاوتًا في التعرض للحر. فالشارع المشجر ليس كالشارع المكشوف، والحي الذي يملك مساحات خضراء ليس كالحي الذي غطاه الإسفلت.
وفي كفر قرع تبدو هذه المفارقة مؤلمة. فإذا بحثنا عن المكان الأكثر ظلًا، والأكثر امتلاءً بصوت العصافير، والأكثر لطفًا في الصيف، قد نجد أنفسنا نتجه نحو المقبرة. المكان الذي جمع عبر سنوات طويلة أشجارًا أكثر مما جمعت الشوارع، والساحات، والمدارس. هناك يتحرك الهواء بشكل مختلف، وتعلو أصوات العصافير أكثر، ويصبح الفرق بين الشمس والظل محسوسًا على الجلد، لا في الأرقام. وما نعيشه في هذا المكان يشبه ما تسميه أبحاث المناخ “تأثير الواحة الحضرية”، حين تنجح الجيوب الخضراء الكثيفة في خفض الحرارة المحيطة مقارنة بالمناطق الإسفلتية المجاورة، ويصبح الوقوف تحت الشجر تجربة مختلفة تمامًا عن الوقوف بين الإسفلت والباطون.
أما المدارس، والساحات، والشوارع، والملاعب، فكثير منها يعتمد على مظلات صناعية، وأسقف ساخنة، ومساحات تفتقد للظل الطبيعي، وكأن الأموات يملكون ظلًا أكثر من الأحياء.
وربما هنا تبدأ الأسئلة الأصعب. كيف نبني بيوتًا أبرد دون استهلاك هائل للكهرباء؟ وكيف نصمم أحياء لا تتحول إلى مصائد حرارة؟ وكيف نحمي كبار السن إذا انقطعت الكهرباء؟ وكيف نعيد التفكير بالظل ليس كزينة، بل كبنية تحتية للحياة؟
ربما لا نملك إيقاف موجات الحر القادمة، لكننا نستطيع أن نعيد التفكير في طريقة عيشنا، من شجرة قرب البيت، ونافذة مظللة، وسطح أقل امتصاصًا للحرارة، وساحات مدارس مزروعة بدلًا من الإسفلت، وأحياء يعرف فيها الناس جيرانهم، وأماكن عامة فيها ماء وظل.
لأن الظل ليس رفاهية حضرية، والمكان القابل للحياة ليس امتيازًا. وفي عالم يزداد سخونة، قد يصبح الوصول إلى البرودة جزءًا من الحق الأساسي في العيش بكرامة.
لأن السؤال في السنوات القادمة لن يكون فقط كيف سيكون الطقس؟
وإنما من يملك القدرة على النجاة عندما يصبح الوصول إلى البرودة مسألة حياة؟


