نحن أبناء الأرض

كتب :جهاد عقل

تاريخ النشر: 01/06/26 | 13:05

قال محمود لأصدقائه، في جلسة دافئة امتزج فيها الحنين بعبق الذكريات:
ــ نحن أبناء الأرض.

ساد الصمت للحظة، ثم أخذ يسرد حكايته بصوت هادئ، كأنما يستعيد مشهدًا ما زال حيًا في ذاكرته رغم مرور السنين:

في أحد أيام الصيف القديمة، وقبل أن يطلع الفجر بقليل، اخترق صوت المؤذن سكون القرية الصغيرة، مناديًا لصلاة الفجر من فوق سطح المسجد القريب من بيتنا الطيني المتواضع. يومها، أيقظني والدي برفق. كنت طفلًا لم أتجاوز السادسة من عمري، لكنني نهضت فورًا، توضأت على عجل، ثم رافقته إلى المسجد.

أدّينا الصلاة مع عدد قليل من رجال القرية، وجوههم مألوفة، تعبق بالبساطة والإيمان. وبعد انتهاء الصلاة والدعاء، عدنا نسير في عتمة الفجر، فالقرية يومها لم تكن قد عرفت الكهرباء بعد، وكانت الأزقة تغفو على ضوء النجوم والقمر.

وفي الطريق، قال لي والدي:

ــ اليوم سنزرع السمسم… وستساعدني.

لم أفهم تمامًا ما ينتظرني، لكنني شعرت بفخر كبير لأن والدي قرر أن يأخذني معه إلى الأرض، كأنني أصبحت رجلًا صغيرًا.

عندما وصلنا إلى البيت، جهّز والدي أدوات الحراثة، ثم شدّ البرذعة على ظهر الحمار، وأجلسني خلفه، فيما راحت البقرات تسير أمامنا بهدوء نحو أرضنا في الروحة.

لم نكن وحدنا في الطريق. عشرات الفلاحين كانوا يتجهون إلى أراضيهم مع أول خيط للفجر. كانت التحيات تتطاير بينهم، ممزوجة بأحاديث الموسم والمطر والمحاصيل، بينما كنت أنا أقاوم النعاس بصعوبة، متشبثًا بثوب والدي حتى لا أسقط عن ظهر الحمار.

وحين وصلنا إلى الأرض، بدأ النهار يتسلل ببطء إلى التلال والسهول.

ثبّت والدي المحراث بواسطة “النير” بالبقرات، ثم أمسك بيدي الصغيرة ووضعها على عامود عود الحراثة ، وقال مبتسمًا:

ــ اليوم ستقود الحراثة يا محمود.

شعرت يومها بمزيج من الخوف والفرح. كانت البقرات أكبر من طفولتي، والأرض أوسع من قدرتي على الفهم، لكن يد والدي فوق يدي منحتني الطمأنينة.

وقبل أن يبدأ، تمتم ببضع كلمات ودعاء قصير، ثم شقّ التلم الأول في الأرض.

كانت البقرات تمضي ببطء، ووالدي يسير خلفي حاملًا “البوق”، تلك الأداة الطويلة التي تنساب عبرها حبات السمسم إلى باطن الأرض، بينما كان يحدّث البقرات كأنها تفهمه:

ــ شدّي الهمة… اليوم معنا محمود.

ومع طلوع الشمس، امتلأت الأرض بالحياة؛ صوت المحراث، ورائحة التراب المبلل، وزقزقة العصافير، ونداءات الفلاحين المتناثرة بين الحقول.

كنت طفلًا صغيرًا، لكنني شعرت يومها أنني جزء من الأرض، وأن التراب يعرف خطواتنا ويحفظ أسماءنا.

وعندما انتهينا من الحراثة والزراعة، فكّ والدي البقرات من نير المحراث، وربطها قرب مرعى أخضر لتأكل وترتاح، ثم جلسنا نتناول فطورنا البسيط.

حتى اليوم، ما زلت أذكر طعم ذلك الفطور: خبز القمح الساخن، والجبن، والزيتون، وكأن للجوع بعد العمل نكهة لا تشبه شيئًا آخر.

صمت محمود قليلًا، ثم قال بصوت خافت اختلط فيه الحنين بالألم:

ــ كانت تلك أيامًا لا تُنسى… أيام كانت الأرض لنا، وكنا لها. أما أرض الروحة التي زرعناها يومًا بالحب والتعب، فقد صادرتها الدولة… لكنهم، مهما فعلوا، لن يستطيعوا مصادرة الذكريات، ولا اقتلاع الأرض من قلوب أبنائها.
ثم رفع رأسه وأضاف لا والف لا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة