كلّما ضاقَ العالمُ اتّسعتُ
فخري هواش
تاريخ النشر: 01/06/26 | 8:39
في آخرِ الممرِّ،
حيثُ لا يطرقُ البابَ
إلّا ظلّي،
أجلسُ مع قلبي
كفلّاحٍ عجوزٍ
يعدُّ سنابلَ العمرِ،
ويحمدُ اللهَ
أنّ العاصفةَ مرّت
ولم تقتلعْ جذورَه.
تعبتُ من الأسواقِ
التي تستبدلُ المعنى بالضجيج،
ومن الوجوهِ
التي تبدّلُ أقنعتَها
أكثرَ ممّا تبدّلُ الفصولُ أثوابَها.
كلّما اقتربتُ من الجموعِ
سمعتُ صريرَ الأبوابِ الموصدةِ
في أرواحِهم،
وكلّما ابتعدتُ قليلًا
سمعتُ عصفورًا وحيدًا
يرتّلُ نشيدَه
على غصنِ الصباح.
ليسَ كرهًا للبشرِ،
فأنا ابنُ هذا الترابِ
وأعرفُ أنّ القمحَ
لا يكتملُ سنبلًا
إلّا في رفقةِ الحقول،
لكنّي رأيتُ كثيرًا
من الزوانِ
يتزيّا بثوبِ القمح.
لذلكَ
حملتُ خيمتي إلى داخلي،
وأقمتُ في جهةٍ
لا تبلغُها رياحُ الأقنعة،
ولا يمرُّ بها
باعةُ الأوهام.
هناكَ
أحادثُ أُمّي
في رائحةِ الخبزِ الساخن،
وأصافحُ أبي
في مسبحتِه المعلّقةِ
على جدارِ الذاكرة،
وأجلسُ مع قرانا البعيدةِ
حولَ نارِ الحنين.
ما أقلَّ ما أحتاجُه
حين يمتلئُ القلبُ
بأسمائِه الأولى،
ويجدُ المرءُ في نفسِه
متّسعًا
لشجرةٍ
وقصيدةٍ
وقبضةِ تراب.
فالغريبُ حقًّا
ليسَ من يسكنُ وحده،
بل من يضيعُ بين الجموعِ
ولا يعثرُ على وجهِه.
أمّا أنا،
فكلّما ضاقَ العالمُ
بضوضائِه وخيباتِه،
اتّسعتُ أنا
بقصيدةٍ جديدة،
وبشجرةِ زيتونٍ
تقاومُ الريحَ على التلّة،
وبقبضةِ ترابٍ
أعرفُ أنّها،
حين تتعبُ الخرائطُ من أكاذيبِها،
ستبقى.
فليسَ كلُّ ابتعادٍ هروبًا،
أحيانًا يكونُ الصمتُ
أشدَّ امتلاءً من الكلام،
وتكونُ النجاةُ من الضجيج
أوّلَ الطريقِ
إلى الذات.
فخري هواش
البروة جديدة المكر

